ادوار الخراط: دراسة/ مقدمة المجموعة القصصية رحيل
غالب هلسا: دراسة/ مقدمة المجموعة القصصية ياليل
الدكتورة رشيدة بنمسعود: اشراف على اطروحة جامعية لنيل شهادة الدراسات العليا عن كتابات هاديا سعيد
الدكتورة يمنى العيد: كتاب القصة العربية القصيرة _ موسوعة المرأة العربية-_ ذاكرة المستقبل/ مصر 2002
بشير القمري: دراسة/ مجلة اليوم السابع 1989
الدكتور محمد برادة: جريدة الحياة/30حزيران/يونيو 2002
الدكتور احمد عباس صالح: جريدة الاهالي/6 نوفمبر/تشرين الثاني2002
امير الطاهري: جريدة الشرق الوسط/2نيسان/ابريل2002
نوري الجراح: مجلة المشاهد/4_10 اغسطس/آب 2002
نازك الاعرجي :جريدة الحياة 1996
فاطمة المحسن: جريدة الرياض/28_/مارس/آذار2002
حسام الدين محمد: جريدة القدس العربي/15/16/حزيران/يونيو 2002
مودي بيطار: الحياة/5/ابريل/نيسان2002
علي سرور: البيان/الامارات/22 سبتمبر/ايلول 1998
ملحق الاهرام الدولي:16/06/2002
مجلة بانيبال:العدد14 صيف 2002
ربيع2001
عواد ناصر: المؤتمر/28 حزيران/يونيو 2002
مجلة المجلة/2001
ايمان حميدان يونس: جريدة السفير14 /حزيران/يونيو2002
خلدون الشمعة: مجلة الوسط 1996
بستان أحمر: رواية عراقية للبنانية هاديا سعيد..
بقلم الشاعر أحمددحبور
على مهلها، تتقدم الكاتبة اللبنانية هاديا سعيد بشهاداتها الروائية والقصصية، وتكتب المقالات والخواطر أحيانا، لتفتح كنز اسرارها الطالعة من وهج تجربة ذاتية نادرة. فهذه الصيداوية التي ولدت قبل خمسين عاما، أكثر او اقل بقليل، سرعان ما وجدت نفسها، وهي بنت الأسرة السنية العريقة، تقيم في حي تلة الدروز البيروتية. وهناك تكمل دراستها وتتفتح على الأحداث التي تعصف ببلدها، من ظهور المقاومة الفلسطينية، الى اندلاع الحرب الأهلية، الى تدفق المثقفين العرب على بيروت. وكان للعراقيين حضور لافت، فكان أن اجتمعت الى الشاعر جليل حيدر، وارتبطت معه بزواج أثمر ولدين، سومر وحيدر. وكان ان قضت مع اسرتها الجديدة سنوات في بغداد سيكون لها تأثير في وعيها الاجتماعي السياسي.. والأدبي بطبيعة الحال. وتغير اسمها الذي ولدت به، من هاديا كوستي الى هاديا حيدر - ولا علاقة لذلك بنقد الذين يضيقون ذرعا باستخدام الألف بدل التاء المربوطة في اسم هادية، فذلك نوع من التفرنج الساذج الذي يظل من حق صاحبة العلاقة - وبعد ذلك وجدت نفسها في المغرب تعمل في الصحافة بضع سنوات، بعد ان استقلت باسمها النهائي هاديا سعيد. ثم لم تلبث ان قضت بضع سنوات في لندن، لتحقق في الحصيلة سلسلة اكتشافات وشهادات قد تكون عبرت عن شطر منها في كتابها المروع >سنوات مع الخوف العراقي< الذي اصدرته عام 2004 عن دار الساقي في لندن. ولئن كان هذا كتابها الأخير - على ما أعلم - إلا أن كتابها الأول كان قد صدر عام 1976 بعنوان >حكاية الساعات الجميلة< وقد نال جائزة مهرجان طشقند من لجنة الدفاع عن السلام. والطريف أنها تعتبر هذا الكتاب رواية، وذلك في الاشارة الى اعمالها على الصفحة الأخيرة من احدى رواياتها، لكنها عادت فاعتبرته، في هامش آخر، واحداً من الكتب الخاصة. وهو ما فعلته كذلك مع كتابها >نساء خارج النص - 1989< الذي وصفته في أحد الهوامش بأنه من الكتب الخاصة حول نماذج من نساء مغربيات، الا انها اعتبرته كتابا قصصيا في هامش آخر.
ويبقى الأكيد انها اصدرت اربع مجموعات قصصية لا خلاف على نوعها، هي >ارجوحة الميناء - 1981< و>يا ليل - 1984< و>رحيل - 1989< و>ضربة قمر - 1999<.
اما في الرواية فقد اصدرت >بستان اسود - 1996< لتنال عليها جائزة مجلة الكاتبة، و>بستان أحمر - 2002< وهي الرواية التي تشغلنا في هذه الصفحة، و>دفتر عائدة - 1999< وقد وصفتها بأنها رواية قصيرة عن الاتفاقية الدولية للتمييز ضد المرأة. وهناك >تحقيق عن أم حميد - 1979< الفائز بجائزة مهرجان الخليج للتلفزيون.
واللافت في هذا السجال الحافل، ان الكاتبة لا تكتفي بالتنويع في الجنس الأدبي، قصة ورواية وشهادة ذاتية، بل تترك الأجناس تتداخل حتى في تقويمها الذاتي لبعض اعمالها.. وهذا ان دل على شيء، فعلى أنها تكتب أدبها بدم القلب ونار التجربة، ويبقى على القارئ الفضولي ان يكافح ليميز بين الحقيقتين الواقعية والفنية. مع ان الكلمة الأخيرة تبقى لما تحرزه النصوص في ميدان الجنس الأدبي الذي تنسبها الكاتبة اليه.
بستان أحمر
ما اتعبتني رواية عربية مثل >بستان أحمر< وما استعذبت عناد القارئ الصبور كما فعلت وأنا أعيد قراءة بعض المقاطع الطويلة منها، لأستدرك شرودي وأستجمع ما فاتني في زحام الوقائع. هذا ولم تلجأ هاديا سعيد الى ضغط الزمن وتكثيفه كما فعل جيمس جويس في اوليس، ولم تتوغل في الاستطراد والتقاطعات كما فعل مارسيل بروست في البحث عن الزمن الضائع، ولم تلاحق العوالم الداخلية للشخصيات المعقدة كما فعل وليم فوكنر في الصخب والعنف. لكنها بدت كما لو أنها لم تحسم أمرها مع المدخل الملائم للرواية. وقد تبين لي أن ملاحظتي غير دقيقة. فقد كانت تعرف الى أين تقود شخصياتها، مع احتفاظ هذه الشخصيات بحق الاختيار والتناقض. والأرجح عندي أن هذه البنية المتعبة قد نجمت عن تناقض الشخصيات الرئيسة وارتباكاتها السيكولوجية، ولن ننسى أننا نفتح الرواية على ثلاث من أهم أربع شخصيات في الرواية، عندما تكون هذه الشخصيات في المؤسسة الطبية للعلاج النفسي.. فأبطالها متعبون الى هذا الحد..
ولكن دعوني احاول اعادة ترتيب ما فهمت، مع حذر مشروع من احتمال وقوعي في خطأ التقدير الذي ارجو ألا يفسد فهمي وعرضي للرواية..
نحن أمام أخوين عراقيين من بغداد. أمين وسليم مصباح. يحلم الكبير، أمين، بما يشغل ابناء جيله من طموحات وآمال وطنية ووجودية، أما سليم، الذي قد يكون من الظلم ان نسميه فاسدا، فهو شاب براغماتي لا يتردد في مزاولة العمل الأسود لتحصيل الثروة. ويجمع بينهما احترامهما للأسرة. فالأم لها منزلة في قلبيهما، واختهما علياء هي ضمير البيت وحارسته والعاملة على بقائه وتطويره. اما اختهما الصغرى سالمة فلهما ان يراقبا مراهقتها غير المتطرفة بثيابها القصيرة ذات الألوان الفاقعة ومواعدتها لبعض زملاء الدراسة. لكن هذا التماسك الأسري يشوبه ضيق بالعم الانتهازي الذي يحاول ان يأكل ميراث اولاد أخيه، ولا يعكر هذا التماسك ان سليما يحاول التحرش برجاء> حبيبة أخيه أمين، فليست رجاء في آخر حساب غير محطة عابرة..
يغادر أمين مصباح بغداد ويستأجر شقة في منطقة الحدث البيروتية، وهناك ينشىء علاقة مع الفلسطينية أمل الكيخاني، ولا ينكد عليه جنته، الا حضور شقيقه سليم المشبوه بعلاقته مع النظام العراقي وبالأعمال السوداء. ولسوف تجمع المصادفة سليما الى اللبنانية ريم العنتر، فيتزوجها وينجب منها بنتا يسميها رنا. وسوف تتحول رنا الى عذاب لأمها لأن سليما يبتزها بها، وهو ما ألجأها الى شقيقه أمين ليساعدها في الحصول على ابنتها. وأكثر ما يكون وضع ريم العنتر تعقيدا هو في المغرب، حيث لا تعرف متى يظهر سليم ومتى يختفي، وهو الأمر الذي يسبب لشقيقه أمين انزعاجا وقلقا غير محدودين، فأمين له ظروفه وأسبابه للابتعاد حتى المغرب، لكنه لا يفهم سبب لحاق سليم به هناك، ولا حتى مجرد اقامته في المغرب. وتنتهي مغامرة سليم مصباح بمقتله في ظروف غامضة، لنعثر على شقيقه أمين في مؤسسة طبية للعلاج النفسي في لندن. فقد طلب اللجوء السياسي هناك، وتكالبت عليه الظروف والأعباء النفسية حتى لا يدري موقفه من ريم العنتر، وهي ارملة شقيقه. فهل يحميها؟ يتزوجها؟ يعيد اليها ابنتها؟ أم يشكك في الغاية من وصولها الى لندن؟ وتقوم توركان، ذات الأصل التركي، بالاستماع العلاجي - اذا جاز التعبير - لكل من أمين وريم. وتنتهي الرواية بعدم اكتشاف قاتل سليم، وباستمرار قلق ريم التي لا تريد الا استعادة ابنتها بعد ان اجهضت اثر آخر لقاء لها بسليم قبل ان يموت. ويظل أمين في منفاه اللندني وأسئلته الوجودية.
الكاتبة وبطلتها
ثمة عدد من نقاط التشابه بين مؤلفة الرواية الكاتبة هاديا سعيد، وبطلة الرواية ريم العنتر، فكلتاهما من صيدا أصلا، وقد انتقلت كل منهما الى بيروت. وكل منهما تزوجت عراقيا، وعاشت ردحا من الزمن في العراق ولبنان والمغرب وبريطانيا. الا ان الكاتبة انجبت ولدين، وبطلة الرواية انجبت بنتا وقامت باجهاض حملها الثاني.
وعندما تستعير الكاتبة من تجربتها الذاتية خطوطا عريضة وطولانية بهذا القدر لتسبغها على بطلتها. فليس من مهام القارئ - وقد لا يكون من حقه - أن يدخل البيوت من نوافذها فيتلصص على العالم الداخلي للكاتبة. ولكنه يستطيع ان يفسر معرفة بطلة الرواية الواسعة في الشأن الاجتماعي العراقي، ونفاذها الى اسرار العلاقات الانسانية في لبنان بين 1986 و2000، واطلالتها على عالم المغرب الذي كانت مليكة، صديقة ريم العنتر، مفتاحنا لدخول بابه الرحب، وسنعترف للكاتبة - كما لبطلتها ريم - بحذقها في اخبار لندن واحتياجات العراقيين هناك للحصول على الرعاية واللجوء السياسي.
فالرواية، من هذا الجانب، تسند الشهادة على تجربة جيل عراقي معذب. وهي شهادة معززة بجزئيات محلية تبلغ احيانا الى درجة الاستعراض، فالرواية مليئة بالأوصاف العراقية طعاما وثيابا وتقاليد وأمثالا وفصولا من تاريخ حديث. والكاتبة لا تمل من تأكيد المامها بكل أمر عراقي. وهو ما لن تبخل به على القارئ في لندن، حيث تطرز الصفحات بالأسماء والعناوين المكتوبة بالحروف الانكليزية التي لا ارى داعيا لها. وقل هذا في المغرب ايضا حيث تستخدم اللهجة الدارجة المغربية بما يكفي لما تظنه ادهاش القارئ المشرقي، وهي لم تفعل شيئا عمليا الا حجب معنى الكلام عنه. ولكننا من جهة ثانية لا نبالغ في النفور من هذا الاستعراض، بل ربما كان علينا الاعتراف بأن هذا التعددد البيئي، اذا جاز التعبير، يأتي في جانب منه لصالح تعميق شخصية ريم العنتر. هذه الفتاة السنية التي كان يمكن أن تبقى فتاة صيداوية - بيروتية تتجمل وتلبس الثياب التي تتيحها لها طبقتها، وتراوح عند وعي اجتماعي محدود، لكن ترحالها الدائم وتجربتها المرة مع سليم مصباح، وما كسبته من معرفة بالمغرب عن طريق صديقتها مليكة، ومعاناتها في لندن، قد منحتها سعة أفق وعمقا سيكولوجيا يدعم اساسا اصيلا في شخصيتها التي تفرض الاحترام والاعتراف بالحضور.
أمين وسليم
ينتمي هذان الشقيقان الى الجيل العراقي الذي شهد صعود حزب البعث الى قمة السلطة في العراق، مع أن الرواية لم تتوقف طويلا عند هذا المستوى التاريخي الذي قدمت الكاتبة شهادتها عنه في >سنوات مع الخوف العراقي<.
الا انها لاحظت، بحدس وحساسية تاريخيين، علاقة هذا الجيل بغضب الشباب العالمي الذي عبرت عنه احداث باريس 1968. ووسط التبرم بالمحيط الخانق، وجد أمين مصباح نفسه مشدودا الى بيروت التي كانت تتمتع بجاذبية الحراك الثقافي السياسي الذي زادت المقاومة الفلسطينية من حيويته. ولهذا كان أمرا ذا دلالة أن تكون صداقة امين الاولى هي مع أمل الكيخاني الفلسطينية، وهي المرحلة التي وصفها أمين بالجنة، الى ان أتاه هازم اللذات الذي لم يكن سوى شقيقه الأصغر سليم. فقد لحق به هذا الى بيروت مسبوقا بسمعة أقل ما يقال فيها انها شبهة العلاقة بالنظام، فضلا عن صداقات غامضة مع شخصيات غامضة لا تتورع لحظة عن مزاولة الاعمال التجارية غير المريحة.
ولأنهما شقيقان فإنهما مترابطان، ولكن لأنهما بمزاجين متضادين، فانهما على خلاف وتوتر. وأحسنت الكاتبة صنيعا فنيا عندما استقصت لغويا كلمة الشقيق والشقاق والشقة ومرض الشقيقة، فالكلمة تؤكد الاتصال الى أبعد مدى فيما تؤكد الفرقة الى اعمق مستوى، فضلا عما فيها من فجوة وألم وصداع. ولن ننسى أن البدايات ترهص بمسار تلك العلاقة. فقد ضبط سليم شقيقه الأكبر أمينا في علاقة بدائية مع رجاء بنت الحارة، فداعبه بالقول العراقي المحبب: >جاك الواوي، جاك الذيب< لكن الواوي الذئب سرعان ما التف على رجاء واقام علاقة معها من خلف ظهر أخيه. ولم تترك هذه الواقعة أثرا سيئا بينهما، لأن رجاء لا تشكل مسألة هامة في حياة أمين. لكن الواقعة بحد ذاتها تشير الى طبيعة العلاقة بين الأخوين.
والشقيقان على المستوى الواقعي كما تقدمهما الرواية، هما شخصان مختلفان، أحدهما أكبر من الآخر، وكل منهما ذو مزاج مختلف. لكن المستوى الرمزي يغريني بمقامرة أخرج منها بأنهما في الجوهر شخصية واحدة مركبة. فمثالية أمين هي الوجه المضيء لواقعية مصباح الرثة. ولو استعرنا فرويد لكان مصباح هو الـ هو، فيما لم يكن أمين هو الأنا الأعلى. إنه الأنا وحسب. بمعنى ان مثالية أمين هي منظومة طموحات وأوهام غير ممسوكة، لكنه يحاول أن يتدبر ويتعايش - او حتى يهرب من - مع الواقع. وحين ينجب مصباح طفلة من ريم العنتر، تفاجئنا ريم بأنها صارت أقرب الى الارتباط بأمين، كأنما تحمله مسؤولية الطفلة التي أنجبها أخوه. فهي الأكثر حساسية لاستشعار أن الأخوين شخص واحد متناقض متخبط، فمصباح بدوره، على ما لديه من شراسة وغرابة طباع، يبدو نبيلا بعد علاقته الحسية مع ريم. فهو لم ينل وطره منها ويهرب، بل تزوجها وقدمها الى المأذون بصفة عذراء. وفي ذلك جزء من شخصية أمين. لكنه بعد ان انجب منها، عاد الى طبيعته الصعبة، وصار يتهرب من ريم التي صارت تلاحق شقيقه ليجمعها الى ابنتها.
فريم بملاحقتها لأمين انما تواصل تعلقها بمصباح الذي اصبح يربطها أكثر فأكثر بابنتهما، وفي هذه العلاقة تستوقفنا أخطاء ذكية مقصودة من الكاتبة. فريم تخاطب حماتها بالقول: ام سلومي. مع أن المرأة العربية - والعراقية منها - تنادي باسم الابن الكبير. ولكن ريم في لا وعيها تعتبر امينا هو الوجه الآخر لسليم، فلم لا تكون أمها هي ام سلومي؟ كذلك عندما يلتقي الشقيقان لقاء متوترا غريبا، يلفتنا ان سليما ينادى اخاه امينا بالقول يا سلومي.. وكأن امينا هو سليم.. صحيح ان سليما لم يحظ بأن يكون في مقام شخصية أمين، ولكن العكس كان صحيحا. وهو ما يؤكد وحدة الضدين وصراعهما. فأمين على المستوى الرمزي هو سليم، وإن كان سليم لم يحقق من المثالية ما يكفي لينادى باسم امين.
شخصيتان باهتتان
في لحظة ما، سمحت لنفسي بوصف توركان، الفتاة التركية المشرفة على علاج أمين وريم، بأنها واحدة من أهم اربع شخصيات في الرواية. وهذه الشخصيات هي أمين وسليم وريم وتوركان. فهل تراني تراجعت الآن بعد ان جعلت توركان احدى شخصيتين باهتتين في الرواية؟.. هذا التناقض الصعب في رأيي، يتصل بفهمنا للشخصية بين الواقع والفن. وتوركان موجودة داخل المؤسسة الطبية في لندن، لتؤدي دورا هاما، لا على مستوى العلاج - وهي ليست طبيبة على أي حال - بل بما هي محطة ترسو عندها شخصيتان رئيستان لتفرغا عندها أسرارهما. هذا هو الواقع التي كانت توركان مرشحة لتلعب فيه دورا هاما يعين أمينا وريم على فهم نفسيهما، ويعين القارئ على فهم المعضلة النفسية الناشئة بينهما. لكنها على المستوى الفني، اي حسب الصيغة التي وفرتها لها الرواية، لم تستطع ان تظفر بحضور يؤدي الى لحظة درامية. ولعل الكاتبة ادركت ان هذه الشخصية قد فلتت منه، فحاولت ان تخترع لها ماضيا، لكن هذا الماضي ظل ملصقا بجبيرة ولم يتحول الى جزء من جسم الرواية، ولم يدعم الشخصية.. فماذا اذا كان ابو تركان قد ترك أمها الى ممثلة جميلة؟ وماذا اذا تزوجت أمها وندم ابوها؟ ما علاقة هذا بعينيها الخضراوين اللتين شغلتا أمينا ثم لم تؤديا الى شيء؟ وهل كان مسار الرواية سيتغير لو كانت توركان رجلا؟ او لو لم تكن تركية؟ او حتى لو لم تكن موجودة أصلا؟
هذا التساؤل الاشكالي يجرنا الى الفلسطينية ريم الكيخاني التي انشأ أمين مصباح علاقة معها فور وصوله الى لبنان. فمن هي دراميا؟ ان هويتها الفلسطينية تؤدي دورا وظيفيا يتصل بالمعلومات اكثر مما يتصل بدرامية العمل. فما لا شك فيه ان بيروت كانت تعج بعرب غير لبنانيين، وان الفلسطينيين شكلوا في الفترة الممتدة من 8691 الى 3002 - وهو الزمن الافتراضي للرواية - حالة نوعية تميزت بالانفتاح الاجتماعي وبألف ارتباك لا أتزيد فأطالب الرواية بالخوض فيه.
ولكن ماذا عن أمل الكيخاني داخل جسم الرواية؟ لقد كانت أشبه بضيف الشرف في الأفلام العربية. فثمة ظهور محفوف بالاحترام يليه انسحاب بلا مقدمات لا يشفع له أن الكاتبة تشير الى أهمية أمل الكيخاني في الغلاف الأخير من الرواية.
يحدث في الروايات، الحديثة والتقليدية، أن تكون هناك شخصيات ثانوية. بل ان بعض الشخصيات تمكنت في الذاكرة حتى لو لم تمكث الا في بضع صفحات.. فليس حجم الحضور هو ما نبكي عليه. بل فاعلية الحضور.. لقد كانت توركان وأمل فرصتين ضائعتين سقطتا من يد الكاتبة التي وضعت اربع بطيخات على راحة كف واحدة. ربما لم تقع البطيختان او الفرصتان، ولكن الأكيد انهما وعدتانا بأكثر كثيراً مما وجدنا وراء السطور التي اختفتا في ثناياها.
الحياء والانفتاح
في واحدة من لحظات العنفوان والاعتداد المشهودين لهاديا سعيد، سمعتها في المغرب تقول: انا بنت عيلة.. وكانت تقصد بالتحديد، انها وإن سافرت وتغربت وعاشت بعض الوحدة حينا، تظل تلك الفتاة القوية التي تصون روحها وجسمها واسم اسرتها. وهو أمر تفرضه على من يراها منذ اللحظة الاولى بكل احترام.
واذا اخذتنا المقاربة الفنية لايجاد علاقة بين هذه الكاتبة وبطلة روايتها، مع تأكيد انها لا تتحمل مسؤولية سلوك ريم العنتر التي هي شخصية روائية في آخر حساب، فإن ذهابنا الى الدخيلة السيكولوجية، بقدر ما تسمح الرواية، يكشف أن كون الفتاة بنت عيلة، لا يتعارض مع كونها فتاة بكل ما للنساء من اسرار بريئة وغير بريئة. وقد أبانت الكاتبة بعض هذه الأسرار العذبة التي لا تعيب ولا تشين. فأجلست القراء، على الورق، بين صبايا الأسرة وهن يغنين ذلك النوع من الغناء غير المباح سماعه للرجال في المجتمع الشرقي. بل وتركت للنساء الحبل على الغارب، تقص كل واحدة مغامرتها مع زوجها، وهو ما جعل ريم العنتر في وضع حرج. فريم هي >بنت العيلة< التي لا تشارك في هذه الأحاديث، لكن الكاتبة تظل اولاً وأخيراً بنت الحداثة التي لا يمنعها قانون او حجاب عما تريد كشفه والبوح به. ومرة ثانية نجدنا بين المغني والأغنية، بين الكاتبة وشخصياتها. والشخصيات ليست من لون واحد. وليست البيئة المحافظة هي التي تقف على اصابع الكاتبة عندما تسمع الفتيات يغنين: النحلة النحلة النحلة يا هو.. تاركات تلك النحلة ان تصل الى المكان الذي يضع الحياء النسوي بدلا منه بعض النقاط!! وهو ما يذكرنا بتعليق العكبري، شارح ديوان المتنبي على اشارة ابداها المتنبي للتعفف، فعلق عليها الشارح هذا حياء شر منه الفجور..
على ان هذه الملاحظة تقع في صالح العمل الفني. بمعنى ان الكاتبة تعي المسافة، كامرأة، بين ما تمنعها قيمها من مزاولته، وبين ما يقول الفن انه موجود في الحياة.. ووجود الواقع على هذا النحو او ذاك لا يعني انه مسوغ لهذا السلوك او ذاك.
ورحم الله الياس أبا شبكة القائل:
قد أشرب الخمر لكن لا أدنسها وأقرب الإثم لكن لست أرتكب
وعلى أي حال لسنا في معرض منح صكوك براءة لا تحتاجها سيدة محترمة مثل هذه الكاتبة. ولكنها مناسبة للتأمل في علاقة الكاتب بشخوصه الفنية وبشخوص الواقع على حد سواء.. فهي تعرف ما تشاء ومن تشاء، لكنها تعيش كما تشاء، وما من شرط يلزمها بتقمص ابطالها.
أين الرسالة؟
لا تنتمي هذه الرواية الى سطحية الحكمة الممجوجة او مسطرة الأخلاق الكاريكاتورية. فهي، بمعنى ما، رواية وجودية بقدر ما هي شهادة على جيل عاثر تتناقض شخصياته فيما بينها، كما تتناقض احيانا مع نفسها. هناك لحظة ثورة عصفت بالشباب - ربيع باريس 8691، الثورة الثقافية الصينية وردود الأفعال عليها، استشهاد جيفارا، اتساع ظاهرة المقاومة الفلسطينية - واذا كانت الكاتبة لم تتوقف، الا باشارة عابرة الى احداث باريس، عند هذه الأحداث الكبرى، فليس هذا مطلوبا منها. ولكنها كانت أمينة على الواقع الى حد أنها جعلت بعض شخصياتها تتلقى صدى ما يحدث. زد على ذلك ان الرقعتين الجغرافيتين الروائيتين، العراق وفلسطين، كانتا مواتيتين لكشف ما يحدث للبشر هنا وهناك. اما المغرب الذي كان يتحسس بدايات اكتشافه لتفاصيل ما يحدث في المشرق العربي، فان وجود بعض الشخصيات فيه لبضع سنوات، قد منحنا فرصة مراقبة التأثر والتأثير، لتكون المحطة الأخيرة لندن، حيث قدمت الرواية شرحا وافيا لما ينتظر المهاجرين العرب هناك.. وخلال هذه الأوديسة المركبة، تطل بعض التفاصيل التي تتضمن حكم قيمة على نوع من السلوك. فالرواية تهجو العلاقات الجائرة داخل الاسرة، من خلال شخصية العم الانتهازي، بينما تقف على المستوى الآخر علياء المضحية من أجل الأسرة، حتى لنشفق عليها من عنوسة لم تشر اليها الرواية ولكنها تهدد هذا الأنموذج النبيل. من جهة ثانية ندخل مع ريم العنتر الى الطبقة اللبنانية المتوسطة، المتطلعة بشرائحها العليا الى نمط من العيش والعلاقات يجعلها تتطلع بشكل مسكين الى اطراف القربى مع بعض الشخصيات النافذة. وهذه الطبقة محيرة في علاقتها ببناتها، فهي توفر لهن حدا من الحرية لكن هذا الحد هو عبء على عاتق الفتاة بما هو مسؤولية. فهي لم تشعر بخوف حين ذهبت مع سليم الى أبعد مدى. ولكننا لن ننسى القيم، وهذا ما يفسر جنون ريم بحثا عن بنتها، مع انه من جهة ثانية يفسر اقدامها على الاجهاض، حتى لو أن الأب واحد. ولكن الأب عندما أسهم في صناعة البنت لم يكن مكشوفا امام ريم.. وعذاب واحد يكفي. ألهذا نستطيع تأويل >البستان الأحمر< بأنه ريم شخصيا. فهي خصبة بما هي بستان، والبستان أحمر بما هو دم الاجهاض، العدم، الذي لا تستطيع إلا أن تتعامل معه؟
وموت سليم مصباح الغامض غير المفاجىء، يحمل بدوره عبرة تقول إن الشر لا يفيد، حتى لو لم تحسم الرواية أمرها مع سليم باعتباره شريراً، لكن النهج الذي اتبعه لم يكن سوياً..
دروس كثيرة تقدمها شخصيات متعاقبة على هذه الرواية، والرسالة هي أن الحياة، بعد كل شيء، جديرة بأن تعاش على ما فيها من صعوبة وتعقيد والتباسات.
نشرت في عدة صحف عربية
***** ******* **********
"أرتيست" رواية هاديا سعيد الجديدة:
رواية عن سلالة سعاد حسني؟
المستقبل - الاثنين 12 حزيران 2006 - العدد 2292 -
القاهرة ـ وائل عبد الفتاح
"هل هي سعاد حسني؟"
من الصفحة الاولى في رواية "ارتيست" ستكتشف ان صورة سعاد حسني موجودة بقوة.
صورتها... او روحها بمعني ادق.. تطل من بين السطور وتداعب الخيال الذي رسم ملامح حياة اشهر نجمة سينما عربية... هل هي سعاد حسني..؟
يقفز السؤال ويهدد بتحويل الرواية الى مجرد محاولة لكتابة سيرة سعاد حسني بشكل لا يثير مشاكل قانونية للمؤلفة او لدار النشر.. خاصة ان عائلة سعاد حسني (وغيرها من عائلات مشاهير الفن) تطارد كل من يفكر في الاقتراب او التصوير.. مطاردة تبدو هستيرية.. وكأن العائلة على وشك ان توزع سيرة موحدة للنجم ممنوع الخروج عنها.
وهي ظاهرة مثيرة للتأمل.
السيرة العائلية
العائلة تريد سيرة مثالية للنجم.
سيرة ابن العائلة المثالي.. القريب الشبه من محترفي مسابقات اوائل الطلبة.. هؤلاء الذين يذاكرون ليس من اجل متعة المذاكرة بل من اجل الحصول على رضا واعجاب الوالدين والمدرسين وكل طابور اولياء الامور (حتى الرئيس).
اغلب هؤلاء يقابلون الفشل الكبير في حياتهم الشخصية.. والحياة العامة.. لكن هذا لايهم العائلة المهم ان يكون الابن عاش ومات على كتالوج الحياة السعيدة.
هكذا تعترض عائلة اسمهان على من يرسمها في صورة العاشقة الغامضة.. المغرمة باللعب مع شخصيات تعيش على حافة الخطر.. وتحذف من سيرتها الحكايات المثيرة عن علاقتها بالمخابرات.. وهي المسؤولة عن لغز موتها المحير حتى الان.
وهو لغز شبيه بلغز موت سعاد حسني... ويبدو بعيدا عن الوقائع والحقيقة الضائعة نهاية منطقية لحياة كانت اقرب الى واحدة من تراجيديات كبيرة تجسد صراع الانسان مع الاقدار.. والمصائر القاسية.
ربما تكون الحكايات عن اسمهان وسعاد حسني من صنع خيال.. مغرم بمتابعة سير النجوم.. وهم في الحقيقة الهة العصر الحديث.. الهة نكتشف معهم اجزاء خفية من حياتنا... نعشقهم ونلعنهم.. ننام على صورهم ونعيش وداخلنا صورهم بدون استئذان.
اسطورة الرغبات
النجم ليس فقط ابن مثالي لعائلة هادئة.
وهو ليس كذلك.
اقصد طبعا نوعية فريدة من نجوم ونجمات تتجاوز مساحة النجومية حدود الشهرة في عالم افلام السينما او برامج التليفزيون... الى حافة تلمس اعماق غامضة لجمهور واسع.. لايتأثر فقط بموهبة النجم في افلام او برامج.. بل بحياة تتداخل تفاصيلها.. او الخيال الذي يضيف اليها احداث ووقائع ربما لم تحدث.. كل هذا يلمس الشخص العاديّ ويحتفظ بها في ادراج خاصة من ذاكرته المعقدة.
هذه الانواع من النجوم تسمى اساطير.
وسعاد حسني واحدة بل هي اهم هذه الاساطير في الخمسين سنة الاخيرة.
سعاد حسني ضربت كل التوقعات.. خرجت عن كل قيد يكبل حريتها.. هي القلقة المتوترة بين اقصى تبتل للقديسات... واقصى تطرف للمتحررات... سعاد التي عاشت على الحافة.. وفي قلب مغامرة بحث غامضة عن شيء مجهول في روحها.. هذه الانثى الطاغية الباحثة عن الحب.. والنجمة التي راحت ضحية بحثها عن صورتها خالدة النضارة.
وهي غير سعاد التي تحاصرها روايات من العائلة.
سعاد ليست ملك عائلة تحبها.. انها ملك جمهور لم يهتم يوما بوضعها كالتماثيل في المتاحف.. استمتعت في حياتها وبعد رحيلها المثير بحب الجمهور وبصعودها الى مصاف النجمة الأولى.. وهي الدرجة المحجوزة لنوعية خاصة جدا من فنانين يختزلون حياتهم كلما اقتربوا من هذه الدرجة ليتحولوا بالتدريج الى "كائنات مقدسة" لا تخطئ.. ولا تمارس حياة تشبه البشر العاديين أم كلثوم مثلا بذلت جهدا خارقا في إتلاف صورة التقطها لها مصور صحفي على الشاطئ وهي ترتدي مايوه أسود وكانت الصحافة تحرص على أن تصفها دائما بأنها لا تدخن ولا تسرف في شيء وكذلك فاتن حمامة تركز الصحف على قرارها بالامتناع عن القبلات الساخنة واعتبار ذلك "مثالا أخلاقيا نادرا".
كان على النجم صياغة صورته كما يفعل الزعماء بلا رتوش ولا هفوات ولا حركات طائشة ولا رغبات ولا ألم زائد او فرحة غامرة.
... مقاييس دقيقة لصناعة مثال (او تمثال) مطلق. سعاد حسني خدشت هذه الصورة عاشت حياتها على الشاشة وخارجها.. بالطول والعرض.. كانت امام الكاميرا سمكة في البحر.. وفي الحياة طفلة شقية.. تبحث عن رغبات مجنونة وتلهث وراء اشباع حرمان ابدي.. ورغم أن أخبار مغامراتها العاطفية وزيجاتها والشائعات حولها كانت حاضرة على الدوام في صورتها أمام الجمهور إلا أنها لم تخسر موقع النجمة التي عبرت كما لم تعبر غيرها عن شقاء وعذاب وفرح وتألق المرأة.
لم تكن سعاد حسني تؤدي دورا في الحياة، بل كانت تشعر بحرية وتكسر "الدور المكتوب" تخرج عن النص الاجتماعي والفني تغني وترقص وتحب وتشتهي.. احبت التمثيل حتى الثمالة خسرت بسببه الحلم بحياة هادئة ومشروع بيت مستقر وظل رجل وغريزة امومة جارفة. ظلت سعاد حسني على الشاشة جسدا حرا يفسح مساحة واسعة للروح تنطلق وتملأ المسافة بين السينما والواقع بشحنات نارية.. هذه الشحنات تفسد كل محاولات ترويض الطفل الرومانسي النائم بداخلها.
تكون او لا تكون
ربما تكون سلمى حسن بطلة رواية "ارتيست" هي سعاد حسني.. وربما لا تكون.. وهي لاتشبه سعاد حسني فقط في ايقاع الاسم بل في ملامح الحياة وتفاصيل الشخصية الفريدة. "انها.. سعاد حسني.."
تسمع هذه الصيحة في الرواية على لسان شخصيات يرون سلمى اول مرة.
سلمى.. هي "سوسو".. وهو لقب تدليل سعاد حسني المنتشر بين دائرة الاصدقاء الاوسع.
ولا اعرف ان كان احد من اصدقاء او المقربين لسعاد حسني كان يدللها باسم "سالومي".. كما كان عشاق سلمى في الرواية ينادونها... الا ان سالومي اسطورة اخرى لامرأة ترقص عارية في دائرة النار.. تسير على حبل رفيع من تناقضات الخير والشر.. الاستقرار والخطر.. الحب والعذاب.
وهذه لعبة الرواية التي قد يلخصها سؤال وضعته دار النشر على الغلاف الاخير: "من هي الفنانة سلمى حسن التي تدور فصول الرواية جميعها حولها.. هل يمكن ان تكون هي نفسها الفنانة الراحلة سعاد حسني التي لا يزال لغز موتها محيرا ومدوخا.
لاتبوح الرواية بتفاصيل كثيرة عن نسب "سلمى حسن". ثمة اوجه شبه كثيرة بين سيرة سلمى حسن وسعاد حسني.ولكن الرواية تصر على ابقاء الاحتمالات كلها مفتوحة، وتبقي هويتها الاصلية عرضة لكثير من الجدل. وتكتفي فقط بتقصي بوليسي عن لغز موتها.
هل هي ماتت حقا، ام انتحرت، ام ربما دفعت الى موت، ظل غامضا بما يشبه حالة غريبة بين موت وقتل غامض".
لكن الرواية تستحضر "بأسلوب بوليسي مثير، شخصية اخرى تسميها ظ ََّّىح.. وهي شخصية غامضة ايضا.. وجدلية.. ربما تكون صحفية ولكنها تملك كثيرا من الخفايا والاسرار عن حياة الفنانة الغامضة "سلمى حسن" ربما تساعد على معرفة "لغز" موتها.. كما لغز حياتها نفسها..".
هل سلمى حسن هي سعاد حسني..؟
نوستالجيا العصر الذهبي
هاديا سعيد مؤلفة الرواية.. اديبة وصحفية مولودة في بيروت وتعيش الان في لندن.. "ارتيست" هي روايتها الثالثة بعد "بستان اسود" و"بستان احمر" ولها تجربة في بغداد كتبتها تحت عنوان "سنوات مع الخوف العراقي".
الرواية مشغولة باحساس المحبة الغامرة للفن.. ونجومه واماكنه.. وهو احساس نادر هذه الايام.. ندرة تكتشفها وانت تتابع موجات الهجوم على الفن.. وتوبة نجمات.. موجات متخلفة تهب من صحراء قاحلة.
ورغم انني لا اقع في هوي الحنين الى ازمنة سابقة.. ولا احب فكرة الزمن الجميل او العصر الذهبي الا انني لم اشعر بالضيق طوال 358 صفحة تبحث عن اسرار سلمى حسن.
ومن اول صفحة لاتنكر المؤلفة وقوعها في هوي الماضي السعيد.. تهدي الرواية الى "روح ازمنة الخمسينات والستينات الجميلة وروح الامكنة في بيروت والقاهرة والاسكندرية.. والى روح السينما والاغنيات..".
اهداء يهزك عاطفيا لان كل هذه الاشياء :النجوم والمدن والفن.. تعيش لحظة انحسارها الان.
الرواية عن نجمة تعيش على حوافي القلق لاكتشاف نفسها.. لتحرير روحها.. لكننا الان نعيش فترة تحريم الخيال.. وتحجيب الروح.. وبدلا من قلق فنان يقود المجتمع الى مساحات اوسع من الحرية.. القلق الان في اتجاه عكسي. قلق يرغب في التوافق مع المجتمع.. وصنع الهة للعفة. قلق يتخذ دليله من رحلة رابعة العدوية.. وحتى هذه يتم اختصارها الى نقطة الوصول... لا تفاصيل الرحلة.. ومغامرتها ولذة الاكتشاف والانتقال من نقطة الى نقطة.
الرغبة في صنع الهة للعفة لاتنفتح على الحياة. لكنها تروج لثقافة محافظة تتقصى في السر المتع التي تلعنها في العلن.
هذه النظرة المغلقة. السطحية. هي الوجه الفني لظاهرة حجاب الطبقة الوسطى. والتي يقابلها في نفس الوقت ظاهرة أخرى وهي الانفلات الكامل. الرغبة في الخروج من التقاليد البالية.
نحن نعيش بين صراع الحجاب والتهتك.
الانغلاق والانفلات.
نعيش تلك اللحظة المرعبة بدون نجمات مثل سعاد حسني أو سلمى حسن.
ارتيست الزيتونة
ام سلمى حسن كانت "ارتيست".. من الزيتونة (شارع كباريهات الدرجة الأولى في بيروت الستينات).
هذه واحدة من حكايات مثيرة عن الام التي قالت لهم انها اصلا من الإسكندرية وتاهت من عائلتها في بيروت... وعاشت حتى اصبحت ارتيست.. تزوجت من البودي جارد الذي يحمي الكباريه.
رحلة الام هي في الاتجاه المعاكس لفنانة مشهورة هي فاطمة اليوسف.. او روزاليوسف التي عاشت مع عائلة مسيحية بعد موت عائلتها.. واثناء الهجرة من بيروت الى اميركا.. هربت.. وعاشت بين الإسكندرية والقاهرة حتى اصبحت سيدة المسرح في مصر.. ثم مؤسسة احد اهم المؤسسات الصحفية.
لكن ام سلمى لم تكن سوى ارتيست من الزيتونة... وعائلتها عاشت في كوخ فقير على هامش مدينة صاخبة مثل بيروت.
وهنا لابد من اشارة الى ان لعبة الرواية ليست فقط في صنع اسم للبطلة له نفس رنة الاسم.. لكن في صنع عالم كامل لبطلة مثيرة باستخدام نتف متناثرة من حكايات مشهورة.. واستخدام اماكن وشخصيات حقيقية لاتبدو سلمى غريبة وسطها.. وانتهاء بأن الشكل الروائي يعتد على فكرة برنامج اذاعي في الـ BBC يبحث عن وفاة سلمى حسن... هذه هي الاداوت التي قد تقول بأن سلمى حسن هي سعاد حسني وهذا ما جعل المؤلفة قبل الاهداء تذكر 3 ملاحظات هامة:
1 ـ جميع شخصيات هذه الرواية "درامية"، واي تطابق بينها وبين شخصيات حقيقية هو صدفة.
2 ـ اضيفت اسماء شخصيات ادبية وفنية حقيقية الى بعض احداث الرواية لاضفاء لمسة من "الواقعية" على الاحداث وتؤكد المؤلفة ان "المشاهد" التي ظهرت هي خيالية تماما.
3 ـ تمت استعارة اجواء البث المباشر في اذاعة BBC العربية لضرورات درامية وكل الاراء المطروحة في "البرنامج المتخيل" مفترضة.. والاذاعة غير مسؤولة عنها.
اللعبة اذن تعتمد على الصدفة.. والخيال. صدفة التشابه... التي تجعل سلمى حسن ترى وتعيش جو ابطاله.. هم : فريد الاطرش.. وعبد الحليم حافظ.. و فاتن حمامة.. وام كلثوم... . هؤلاء ابطال عالم سلمى.. وليسوا ابطال الرواية في الحقيقة نراهم معها في حفلات وتقف امامهم في افلام وتكلمهم في التليفون.. هي نجمة لامعة وسطهم.. ونحن الذين نعرفهم ونعرف تاريخهم لا نراها.
انه الخيال الباحث عن اسرار لن نشبع من الدوران حولها.
اسرار اسطورة لن تغلق ملفاتها.
سعاد حسني في السينما المصرية. ومارلين مونرو في هوليوود. وسلمى حسن.. في الرواية.
انج جيه
الغريب انه لم تكن في الرواية سلمى واحدة.
هناك 3 سلمى... غير "سالومي" او "سلمى وان".
"سلمى تو" هي رفيقتها في ايام المرض بباريس.. وبدت في حلقات الاذاعة كأنها تريد ان تكون متحدثة باسمها.. وفي النهاية تتهمها سلمى الثالثة بالاشتراك في جريمة اختطاف او قتل سلمى وان.
وسلمى الثالثة هي Miss X التي كانت ترسل الى مذيع البرنامج عبر البريد الالكتروني اوراق سلمى حسن وقصتها التي استمعت اليها بنفسها..؟!
من هي سلمى الثالثة..؟
هذا هو السر البوليسي في الرواية.. هي بطلة اللغز.. واللعبة التي بنت عليها هاديا سعيد روايتها.
هي اولا ابنة اخت سلمى.
اختها نوال الكبرى التي كرهتها امها لانها رأتها تنام مع ابيها.. اقتسمت مع سلمى الموهبة.. هي اخذت الصوت الجميل.. وسلمى الفتنة والتمثيل.. لكنها ابتعدت عن الشهرة بعد 4 اغان فقط ارتضت يعدها بالزواج والحجاب وعائلة ابعدتها تماما عن عالم سلمى.
نوال هي التي قادت خروج العائلة من الكوخ الفقير.. تركت الدراسة وعملت في مشغل خياطة.. لكن النقلة حدثت عندما عملت "انج جيه" في كباريهات الزيتونة.
"انج جيه" هي بنات الصالة في الكباريهات.. عملهن هو تسلية الزبون ليشرب اكثر ويدفع اكثر. مع نوال اصبحت العائلة للنساء فقط... انتقلت النساء الثلاث الى شقة غرفتين وصالة.. وتركوا الاب مدمن الكحول برفقة اخ اضيفت الى لمسات بلاهته وراثة الادمان.
وسلمى التي كانت تعيش مع احلامها تحت اللحاف.. صعدت خطوة الى مصيرها الجديد.
السلالة الغريبة
السر الاول الذي كشفته سلمى هو ان خالتها هي نفسها النجمة المشهورة. الشبه بينها وبين سلمى وان.. اكبر من الشبه بأمها. وكانت رحلة اكتشافها هي اهم رحلات حياتها. وهذه هي لعبة الرواية الحقيقية.
اللعبة هو اكتشاف سلالة من الشخصيات يشعرون انهم غرباء في اي مكان ووسط اي مجموعات.. هم خلاصة المشاعر الانسانية.. يجمعون بين الخير والشر في لحظة.. التفاني والانانية.. الاخلاص والخيانة.
سلالة نادرة.. نادت فيها روح سلمى وان.. على توأمها الروحي سلمى الجديدة (اسمها ايضا هو نفس اسمها...) هي ايضا خارج الحسابات الاجتماعية وضد الاسر في علب ينظر اليها الناس على رف الحياة.
المؤلفة جعلت سلمى حسن تحب ان تغني اغنية داليدا) واحدة اخرى من سلالة الغرباء)..:
"مع الوقت... كل شيء يذهب
الوجوه... الاصوات.. مع الوقت".
انه شعور بالم الغربة.. والفراق والشوق الى شيء مجهول.. بعيد.. ووجوه تعيش داخلك.الالم لا يفارق المتعة.. البحث عن الشيء البعيد.. ليس اكثر من رغبة في الراحة.
اكتشاف السلالة ربما هو اهم ما في الرواية...
واكثر ما يجمع سلمى حسن بسعاد حسني.
البحث عن أب مفقود
سلمى حسن هي الاخرى لها قصص مع الرجال. كانت تبحث في كل منهم عن اب غاب عن حياتها منذ اليوم الاول.
اب يحميها ويصرف عليها ويقودها الى اكتشاف العالم المغلق ويمنحها من خبرات حياته خرائط تكتشف بها الناس والحياة.
مدحت هو الاخير. كاتب.. وصحفي.. وسيناريست مثقف قلب حياتها راسا على عقب.. هو رجلها.. الوحيد كما حكت لسلمى الصغيرة. تزوجته وهي عذراء رغم كل العلاقات السابقة.
اكتشف عذريتها ليلة الزفاف.. وكانت المفاجأة المدهشة. هو نموذج اخر اراد ابعادها عن سينما المقاولات والسهرات التافهة وتسول الاعجاب من الجمهور والصحافة.. عرفها على مثقفين وسياسيين وحصرها في سينما (المهرجانات).
كانت العلاقة بينهما اقرب الى علاقة كاتب مسرح مرموق مثل آرثر ميللر ونجمة مدهشة مثل مارلين مونرو.. وهي اسطورة تعيد انتاج فكرة بيجماليون الذي كان يصنع تماثيل عشيقاته على مزاجه وهواه ووفق صورة مثالية في خياله. كان يتهمها بأنها تريد ان تكون سلعة في فاترينة. واكتشفت هي انه يريد ان يحبسها في صورة من صناعته.. لكنها ظلت تحبه بعد ان مات على يديها في نفس المصحة التي مات فيها عبد الحليم (او حليمو) الذي صالحته في يوم من الايام مع فريد الاطرش.. اول من استضافها في بيته قبل ان تخرج من دائرة الطفلة الكومبارس الى عالم النجومية.
في بيت فريد الاطرش قابلت كميل انجلوس المليونير هاوي الشعر الذي كان يحلم بأن تغني له ام كلثوم او عبد الوهاب قصيدة.. لكنه توقف عن الشعر تماما بعد اكتشاف سرقته لقصيدة من جورج جرداق مؤلف هذه ليلتي الشهيرة.
هو رجل اعمال وتاجر سلاح فتح لها الابواب.. كلها.. صرف على رحلتها هي وامها ونوال الى الاسكندرية ثم القاهرة.. حيث اقامت في شقته بالزمالك.. وتجولت معه في ليل الفن وسهرات الفنانين حتى عرفها بعاطف سالم الذي اعطاها اول فرصة.
كميل لم يطلب من جسدها غير متعة الاقتراب.. كانت تنام بجواره عارية وفي لحظات النشوة ينام هو عاريا في البانيو ويطلب منها ان تتبول عليه.
ظلت عذراء الا من تأوهات جسده الرخو.
كما كان الرجل الاول في حياتها مسيو جابي مخرج اول تمثيلية مثلتها وهي طفلة في المدرسة.
مسيو جابي كان من عشاق لمس اجساد المراهقات.
ظل فتى احلامها فترات طويلة تحلم بالتمثيل في فيلمه الاول الذي مات محترقا قبل ان يكمله.
الحب الوحيد
سلمى كانت تحب عشاقها. وتفهم انها لابد ان تدفع فاتورة الحب. المخابرات طاردتها بسبب علاقتها بكميل.. بعد ذلك اختطفتها ميليشيات الحرب في بيروت... لنفس السبب.
ظل كميل حاضرا رغم غيابه المفاجئ. وحلم جابي حافظ على رونقه رغم انها لم تعد تحتاج الى اللحف الذي تخبئ فيه خيالها الهارب من كوابيس الواقع. اما مدحت فبقي عذابها الممتع.
جنتها الضائعة. وفارسها البعيد حتى في قربه.
رجال سلمى حسن الاول يشبهون رجال سلمى الصغيرة.
والصغيرة تبحث عن لغز موت خالتها. تفتح الملفات.. وتقول انها اختفت.. في ليلة ضربت فيها موعدا معها.. ذهبت الى بيتها وفتحت صندوق بريدها وقرأت رسائلها (بينها واحدة تضمنت عرضا بمبلغ مالي كبير في مقابل الحجاب).
لكنها لم ترجع. اختفت. ليبقي موتها لغزا من الالغاز الابدية.
هل سلمى حسن هي سعاد حسني..؟!
هذه هي متعة الرواية.
***** ****** ******** ******
مَن يسرق_
العدد 2100
الثلائاء 20 فبراير 2007 آخر تحديث GMT 12:15:00 PM
بحث متقدم
إيلاف>> ثقافات>> عالم الأدب
كلمات تستضيف هاديا سعيد
GMT 16:45:00 2006 الخميس 9 فبراير أسماء خليل
________________________________________
"كلمات" الصادرة بالإنكليزية في أستراليا تستضيف هاديا سعيد:
ما زلت مثل أليس في بلاد العجائب
أكتشف كتاباً وكاتبات وأدهش وأتمتع وأتعلم
أرشح الأديبة السورية غادة السمان لجائزة نوبل
للكلمات صوت وشكل وحياة ولا أرى العالم إلا فيها
أسماء خليل من سدني: جاء العدد الأخير وهو الإصدار الثاني والعشرون من أعداد مجلة "كلمات" التي تصدر باللغة الإنكليزية في سدني ويرأس تحريرها الدكتور رغيد نحاس، حافلاً بالمواد الإبداعية المترجمة من العربية إلى الإنكليزية أو المكتوبة بالإنكليزية مباشرة. ومن المواد المترجمة نقرأ قصائد للشعراء يحيى السماوي ومحمد بنيس وصباح زوين وخالد الحلي. كما نقرأ موضوعات متنوعة للكتاب الدكتور رغيد النحاس وكامل المر وماري ميسي. وبالنسبة للمواد المكتوبة بالإنكليزية مباشرة نقرأ قصصاً لكل من كندي ستيفان ولويس سكوت وديف كولدول وغرغ بوغيرتس، وقصائد لكل من غراهام راولاند ونفيلي أندرسون وايان سميث، ومساهمات أخرى لسوفي ماسون وبني والتر وجيما كريكان.
وقد خصصت المجلة موضوع العدد الرئيسي للقاصة والروائية هاديا سعيد عبر مقابلة معها نشر معهاإلى جانب فصلين من روايتها "بستان أسود" قامت بترجمتهما إلى اللغة الإنكليزية الباحثة والمترجمة البريطانية اليزابيث وايت هاوس. وبالنظر لأهمية هذا الموضوع، وضرورة نشره باللغة العربية يسرني أن أنقل من سدني إلى القراء العرب الترجمة الكاملة له، وذلك بإذن خاص من مجلة "كلمات":
هاديا سعيد كاتبة وروائية لبنانية تقيم في لندن، بعد أن عاشت في ثلاثة بلدان عربية وارتبطت بعلاقات وثيقة مع الأوساط الإعلامية والثقافية فيها. فبعد أن مارست الصحافة كمتدربة أثناء دراستها في بيروت، انتقلت إلى العيش مع زوجها في بغداد خلال السبعينات حيث عملت في الصحافة، وشهدت الكثير من الأحداث الاجتماعية والسياسية المهمة التي انعكست على أعمالها الإبداعية، وكرست لها كتابها الأخير "سنوات الخوف العراقي" الذي استقبل بحفاوة بالغة من قبل النقاد والقراء، وأقيمت حوله بعد صدوره ندوة ثقافية مهمة في لندن. لم يستقر بها المقام طويلاً في بغداد، إذ غادرتها بسبب الأوضاع السياسية الخانقة التي أنهت فترة الجبهة الوطنية التي انبثقت عام 1973، فعادت إلى بيروت وعاشت فترة من الحرب اللبنانية في الثمانينات وعملت في جريدة "السفير"، ولكنها سرعان ما غادرت لبنان إلى المغرب بسبب أوضاع الحرب فعملت في أهم صحيفتين مغربيتين يومذاك هما "العلم" و"الاتحاد الاشتراكي"، وظلت تكتب وتعاني.
وفي لندن حيث استقرت منذ عام 1995، أصبحت عضوة في هيئة تحرير مجلة "سيدتي" أكبر المجلات العربية المكرسة للمرأة، ومسؤولة عن القسم الثقافي فيها. وهي تعمل أيضاً متطوعة في المؤسسة الطبية لرعاية ضحايا التعذيب، وقد أقامت عدة أمسيات ثقافية عربية لصالح دعم هذه المؤسسة، كما أنها ضيفة أسبوعية دائمة في البرنامج الثقافي الأسبوعي "أوراق" الذي يذاع من ال"بي.بي.سي" حيث تشرف على مسابقة لكتابة القصة القصيرة ويشارك فيها كتاب جدد، فتختار قصة كل أسبوع وتقرأها وتناقشها. كتبت هاديا القصة والرواية وسيناريو العمل الدرامي التفزيوني والمسلسل الإذاعي والفيلم التسجيلي، وحازت بعض أعمالها على جوائز مختلفة. وبعد مجموعتها القصصية الأولى "أرجوحة الميناء" التي صدرت عام 1982 أصدرت أربع مجموعات قصصية أخرى، وروايتين مهمتين هما "بستان أسود" التي نالت جائزة مجلة "الكاتبة" التي كانت تصدر في لندن، وثانيهما "بستان أحمر". كما كتبت بتكليف من منظمة العفو الدولية/ دار النشر عرباي، رواية قصيرة عن الاتفاقية الدولية لمكافحة التمييز ضد المرأة. وحول روايتها الأولى قال الروائي و الناقد المصري أدوار الخراط أنها لا تتهيب في مس المحظورات المعتادة في تناول علاقة الرجل بالمرأة، وقد عرفت الكاتبة كيف ترصد ذبذبات الحب المتناقضة أو المتناغمة، وتقلبات مزاج هذا الغرام، متعدد الأجنحة، رصداً خارق الذكاء واليقظة.
وقالت عنها الدكورة يمنى العيد الناقدة والأستاذة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، أنها رواية تتسم بطابع تجديدي في أسلوبها وبناء عوالمها، والمؤلفة تداخل بين السرد والحوار دون استعانة بأدوات الحوار وتقنياته المعروفة ودون خلل في السياق الروائي، وتكشف المؤلفة عن معاناة هامة في هذا التغيير الذي يحصل عند من يحب والذي لا تتجرأ المرأة غالباً على مواجهته. وفي لندن أجرت معها "كلمات" اللقاء التالي:
رواية ترصد فجوات الحدود والسدود العربية
*كتب كثيرون عن روايتك الأولى "بستان أسود"، ماذا استوقفك في هذه الكتابات، وما هي الجوانب التي أغفلتها..؟
- أهم ما أتذكره الآن بعد زمن من كتابتها، إعلان جائزة مجلة "الكاتبة" التي تصدر في لندن عن فوزها من بين 14 رواية، وكلمات أدوار الخراط التي أكدت طزاجة وجرأة التعبير والأفكار، وكذلك ما قالته يمنى العيد التي تلمست التجديد غير المسبوق في أسلوبها. والحقيقة فإنني لا أذكر ما أغفلته الكتابات، لكني لم أتفق مثلاً مع ما كتبه الأديب السوري الدكتور خلدون الشمعة حول وضع الرواية ضمن تيار ما بعد الحداثة، رغم أن تحليله بعيداً عن هذا التصنيف كان من أهم ما كتب عنها.
*هل ينطبق هذا الأمر على كتبك الأخرى وكيف؟
- صدقني لا أدري. فما كتب عن مجموعتي "ضربة قمر" كان احتفاءً بما اشتغلت عليه في الشكل واللغة. وكانت الكتابات حول "بستان أحمر" متشابهة في منحى، ومختلفة في منحى آخر، ولكنها كانت إيجابية باستشناء قلة رأت فيها تطويلاً إلى حد ما. وأود أن أشير هنا إلى أن مما أدهشني أن هناك اتفاقاً عربياً حول الروايةهذه الرواية التي ترصد فجوات الحدود والسدود العربية. وقد تأثرت جداً خلال الفترة الأخيرة بما كتبته لي قارئة في موقعي الإلكتروني عن رواية "بستان أسود"، فقد قالت أنها تشعر بالرعب قبل أن تفتحها مرة ثانية. إنه الرعب العميق بالطبع، رعب الصدق الفني.
بين أجمل ما قرأت كتاباً لكاتبة مغمورة
• *من تفضلين من الكتاب الذين قرأت لهم باللغة الإنكليزية؟
-لا أستطيع أن أقول "أفضل"، فهذا سيكون إدعاءً إذ أنني أعتبر نفسي في مرحلة اكتشاف، كما أنني لست من فصيلة قراء الكتاب الواحد الأحد، ولا أستطيع في هذا الحيز أن أقول لك أنني أحب فرجينيا وولف أو جين أوستن. لـقد اشتركت قبل سنوات في دورة دراسية مكثفة عن كتاب وكاتبات ما بين الحربين العالميتين الكبيرتين، وتعلمت غنى التنوع، ومازلت أدرب نفسي على التذوق. وباختصار هناك كتب أحببتها أو أحسست بقرابة منها أكثر من سواها مثل رواية "السيدة دولوي" لفرجينيا وولف ورواية "أخوات صغيرات" لفاي ولدون، وبعض الروايات التي حصلت على جائزة بوكر مثل "بادي كلارك ها ها ها" لرودي دويل ورواية ""اله الأشياء الصغيرة" لأندروثي روي، فالأولى مثلاً كانت نموذجاً للرواية الساخرة ، فهي تنفجر بالضحك بصوت عال، وتتحدث عن علاقة طفل بأبيه، عكس رواية أندورثي التي تشدنا إلى قرى الهند لنرى فيها ما يشبه حياتنا خاصة بين المهاجرين القدماء من بعض البلدان العربية، وأستطيع أن أستمر في قائمة طويلة مملة، لكني سأختصر القول بأني ما زلت مثل أليس في بلاد العجائب" اكتشف كتاباً وكاتبات وأدهش واتمتع وأتعلم.
ولا تظن اني معجبة فقط بما تبرزه وسائل الإعلام. ففي لندن تعلمت الاكتشاف الفردي، وعلى سبيل المثال فإنني أعجبت في العام الماضي بكتاب لكاتبة اسمها كيت أتكنسون، وهو محومعة قصصية أعجبني عنوانها "ليست نهاية العالم". وكنت كلما سألت أحداً من أصدقائي المتابعين عنها كان يقول لي أنه لا يعرفها. تصور إني وجدت كتابها على رف في "السوبر ماركت" ، ونحن عادة ما تربينا على الترفع عن كتب نسميها استهلاكية. ما أثارني في الكتاب أن إحدى القصص تذكر أنواعاً من السلع التي تنتشر في "السوبر ماركت" إعلاناً للترويج، أما بالنسبة لي فقد كان من أجمل الكتب وتحكي القصص عن إحباطات مختلفة في علاقات مختلفة بطلاتها نساء من مختلف الأعمار والأحوال. و لا بد لي من أن أقول أيضاً إن إعادة تلفزيون ال "بي.بي.سي" إنتاج روائع الأدب العالمي حفزني على قراءتها أو إعادة قراءتها، لأن هنالك دعوة دائمة للقراءة عكس ما يحدث عندما تشوه الأعمال الأدبية وتساهم في تعويد الناس على الكسل.
أهم ما اكتشفته في قارة الترجمة
* لا شك أنك قرأت كتباً باللغة الأصلية وترجمة لها إلى العربية، كما تُرجمت لك نصوص إلى الإنكليزية، ما هي أبرز مشاكل الترجمة التي لمستها شخصياً؟
- لا أدري، ولست مؤهلة للجواب عن مثل هذا السؤال، ولكنني أستطيع القول أن بعض الترجمات كانت رائعة مثل رواية "العشيق" لمارغريت دوراس التي قرأتها بالفرنسية، ثم قرأتها مترجمة إلى العربية، وكذلك ترجمات كتب ديفيد معلوف وغيرها. لكن أهم ما اكتشفته في قارة الترجمة كان درساً عن الدقة. وقد اكتشفت أن الكثير مما ترجم من العربية إلى لغات أخرى كالفرنسية والإنكليزية كان وكأنه كتب من جديد. اكتشفت كم هنالك من تهويمات والتباسات في تعابيرنا لا تفيد النص بل تغرقه في إنشاء مهلهل المعنى في كثير من الأحيان. ومن جهة أخرى فإن هنالك ترجمات من اللغات الأجنبية إلى العربية مبدعة وتستحق التقدير. و لا بد لي هنا من الإشادة بتجربة مجلة "كلمات" في نشر ترجمات ممتازة من العربية إلى الإنكليزية وبالعكس.
*كيف تنظرين إلى ما تكتبه الكاتبات العربيات. من تفضلين منهن ولماذا؟
- في علاقتي بالإبداع والأدب لم أعتد وضع الحدود بين كتابات الكاتبة المرأة أو الكاتب الرجل. إنني لم أتحل بعقلية الفرز والتصنيف أو التهميش، وأنا أرى أن هذا الاتجاه سائد في تعليقات ونقد وآراء الكثيرين من المثقفين الرجال، فمعظمهم لا يتذكر أدب المرأة إلا في إطار ما يطلقون عليه تعريف "الأدب النسائي". وهم يكدسون في هذا الرواية في كافة اتجاهاتها وأساليبها في سلة رأي واحدة بينما يفرزون الإتجاهات والأساليب لدى الكتاب الرجال. لهذا أتساءل لماذا تُسأل المرأة الكاتبة عن الأديبات فقط ؟ ومع ذلك ورداً على السؤال أستطيع القول أن هنالك إنتاجات تستوقفني دون ذكر أسماء، إذ أنني قد أحب رواية أو مجموعة شعرية لكاتبة أو كاتب لا يستهويني إنتاج آخر له. وعموماً فإنني ألاحظ هبات جميلة ومنعشة في كتابات جيل جديد من المغرب ومصر والخليج ولبنان، وأشعر في تلك الكتابات جرأة على الذهاب إلى مناطق طازجة. أحب على سبيل المثال ما تكتبه لطيفة باقا من المغرب وعفاف السيد من مصر. ومن جيل الوسط أحببت رواية "توت بري" لإيمان حميدان يونس، وتبقى هذه أمثلة فقط لأني لا شك لدي قائمة تطول. وفي هذا صحة وعافية للمناخ الإبداعي العربي. وأجد من الضروري هنا أن أتذكر وأذكّر بالرائعة فدوى طوقان وبغادة السمان التي فتحت أبواب الحرية والجرأة للكاتبة العربية.
الرحيل والهروب أغنيا تجربتي كثيراً
* كيف انعكست إقامتك في ثلاثة بلدان عربية ثم انتقالك إلى لندن على كتاباتك؟
- هذا الرحيل والهروب أغنى كثيراً تجربتي ورؤيتي في الحياة ، وبالتالي فإنه انعكس إيجابياً كما أعتقد على كتاباتي . هذا ما أظنه على أية حال رغم أن كل ما اعتقدته تنوعاً وإضافة ومد جسور، كان يزيدني عزلة وغربة، ليس من وجهة نظري، بل من رؤية من يقرأني من العرب. كيف أشرح لك ذلك؟ إني محملة بشيء من الشجن والحزن، فرغم الاحتفاء برواياتي إلا أن بعض النقاد يتعامل معها رغم إعجابهم بها على أنها بلا هوية غريبة أو مغربة.
إن القراءات كما أراها مغمسة بالمحلي، مسكونة بهاجس البيئة الضيقة والقبيلة، وبالنسبة لي وربما نتيجة لهذا الترحال لم أعد أستطيع كتابة العمل المحلي. لقد قطنت المفارق، وأصبحت حدودي فوق الجسور المتلاقية وانتهى الأمر. لا أتردد في القول أنني مقتنعة تماماً بما أعطاني إياه الرحيل والإقامة في بيروت وبغداد والرباط ثم لندن. لقد عشت حقاً وبالتفاصيل الدقيقة نقاط التماس ومفترق الاختلافات. لقد أصبحت التجربة الإنسانية أرحب أفقاً وتناثرت الشعارات التي أراها تتلبس كثيراً من الكتابات ليحل محلها أفق الإنسان وتجربته المتواصلة والمتكاملة بدلاً من المتعارضة والمتعادية.
نحو عالم أكثر تفاهماً وأقل شراسة
• بماذا تنشغلين الآن وما هو المشروع الكتابي الذي تحلمين به؟
- لا أحلم بمشروع محدد. ربما آمل أن أترك شهادة أمينة عن العصر الذي عشته من خلال ما أتركه من نتاج. أقول هذا وهناك في داخلي من يمد لسانه ساخراً ليقول لي أن زمن الإنتاج للأجيال والمستقبل قد انتهى وإننا الآن في قرن الاستهلاك لمرة واحدة فقط. ترى هل يكون نتاجنا كذلك وهل لن تجد أجيال قادمة فيه إلا تراكماً لا يصلح إلا لتدوير صناعته ؟ ومع ذلك فإنني ما زلت مصرة على الكتابة التي تترجم حراستي لقيم السلام والعدل والخير ولكل ما هو مثالي ورومانسي يمجد الجمال والرأفة والطيبة ويدعو إلى سلام الاختلاف وسلام الصراع وسلام التناقض. أعني التعامل بأدوات الحلم لعالم أكثر تفاهماً وأقل شراسة.• *كيف تنظرين إلى مستقبل الكتاب المطبوع في ظل التطور التكنولوجي المتسارع واستخدام الكومبيوتر لنشر الكتب؟
- لن يحل الإنترنت محل الكتاب. الكتاب توأم الزمن والعلاقة به ليست علاقة قراءة فحسب. إننا نحتضن الكتاب، نلمسه ونطويه ليشاركنا الجلسة والاسترخاء، أو ليصاحبنا في مكان انتظار أو محطة قطار. في الغرب عرفوا هذه الحقيقة فسخّروا التلفزيون والإنترنت لخدمة الكتاب وظل الكتاب هو المرجع الأخير والشاهد الفصل . لا أعتقد أن أحدنا قادر على قراءة رواية جميلة وهو مشدود الظهر إلى كرسي أمام جهاز خشن وجاف. الكتاب فكرياً كان أم إبداعياً له روح لا يمكن أن نتنفسها إلا من خلال الورق.
كلمات إلى الكتاب والقراء الأستراليين
* نجيب محفوظ هو الأديب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل، لو طلب إليك ترشيح أديب عربي آخر من سترشحين ولماذا؟
- أرشح غادة السمان لأنها بدأت عصراً جديداً وكتبت في كل المجالات لتنادي الأمل وتدعو للحرية والحب.
* هل لديك طقوس خاصة للكتابة.. ماهي؟ وكم من الوقت استغرقت كتابة روايتك الأولى، وبعدها الرواية الثانية؟
- أنا حالة كتابة. كثيراً ما أفاجأ بنفسي وهي تكتب. لا أستطيع رؤية العالم إلا في الكلمات. وللكلمات عندي صوت وشكل وحياة. إنني أعيش حالة كتابة مستمرة، وأنا أكتب على الورق في نظام شبه يومي يستغرق ساعات معينة. عندما كتبت روايتي الأولى (على الورق) بعد أن عشتها سنوات بين عينيّ وفي ذاكرتي، فإنني أنجزتها خلال ستة أشهر. أما روايتي الثانية "بستان أحمر" فقد استغرقت فترة كتابتها عامين بعد أن عشتها كإعداد وبحث حوالي أربعة أعوام.
* ماهو رأيك بما يردده البعض أن القراء أخذوا يفضلون قراءة الرواية على الشعر، وإننا نعيش في عصر الرواية حالياً؟ هل قرأت روايات كتبها شعراء عرب، وبماذا خرجت منها؟
- لم أقرأ إحصاءً دقيقاً يؤكد هذا الاستنتاج، لكني أعلم إن دور النشر ترحب بنشر الرواية وتتحفظ على نشر المجموعات القصصية، وتتهرب من نشر الشعر. وأعتقد إن هذا الموقف لدور النشر العربية هو الذي أطلق هذا الرأي. ولكي أكون صادقة عليّ أن أتابع كل ما كتبه الشعراء من روايات. لكني مقصرة في هذا المجال، ولعلي أتذكر فقط روايتين لسعدي يوسف قرأتهما وظللت مقتنعة إني أفضل شعر الشاعر على روايتيه، كذلك رواية أحلام مستغانمي التي حوت مطولات شعرية لا أحبذها في الرواية.
*هل من كلمات تودين قولها إلى من سيقرأ هذا الموضوع من الكتاب والقراء الأستراليين؟
- يثير هذا السؤال في نفسي شيئاً من الخجل. ولكنني يمكن أن أقول لهم : إنني أضع كتاباتي كرسالة في زجاجة أرميها في البحر..ربما يجدها أحدكم أو إحداكن ذات يوم بالصدفة. أرجو أن تقرأوها فهي صوتي الذي يرى الناس كلهم جيراناً يستحقون أن يتعلموا الحب والتفاهم وينعموا بهما.
Asmaakhalil_960@hotmail.com
________________________________________
0 :عدد الردود
إيلاف التحرير
إيلاف الشركة
RSS Feeds
اتصل بنا
أعلن معنا
خدمة "خبر عاجل"
القائمة البريدية
المواضيع الأكثر زيارة
اجعلنا صفحتك الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2007 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
Developed & Maintained By
تطوير وصيانة
