رواية ارتيست
ربما يجدر بنا قراءة رواية هاديا سعيد أرتيست الصادرة عن دار الساقي‎ ‎من دون إغفال الأثر الذي يتركه اسم الرواية وغلافها علي القارئ، فالاسم الذي‏‎ ‎اختارته الكاتبة ليتصدر الغلاف باللون الأحمر يتواءم تماماً مع صور الشفاه الحمراء‏‎ ‎أيضا، والتي تحتل مساحة ‏البياض الشاسعة في الغلاف، هذه التوليفة الموفقة من‎ ‎الجمالية الغامضة للغلاف تماثله ‏الكلمة علي ظهر الكتاب التي تقدم موجزا عن النص. من‎ ‎هي سلمي حسن التي تدور ‏فصول الرواية جميعها حولها؟‎
هل يمكن أن تكون هي نفسها‎ ‎الفنانة الراحلة سعاد حسني، التي لا يزال لغز موتها محيراً ‏ومدوخا، اذن هي روح سعاد‎ ‎حسني وربما صورتها واغواؤها الذي ينسج نص هاديا ‏سعيد، الذي لا يؤكد أبداً سوي العمل‎ ‎علي تشكيل أرضية مشتركة بين بطلة هاديا سعيد ‏المتخيلة سلمي حسن وبين حياة سعاد‎ ‎حسني‎.
فما زالت حياة سعاد حسني وموتها مثار جدل كبير ليس بالنسبة للجيل، الذي‎ ‎عايشها ‏فقط بل حتي بالنسبة للجيل الشاب بدليل تقديم مسلسل عن حياتها في رمضان‎ ‎الماضي، ‏الذي لم يكن علي مستوي ما رغب فيه الجمهور الشغوف بمعرفه أسرار سندريللا‎ ‎الشاشة، بل جاء المسلسل أكثر تمويها وغموضاً علي حياة النجمة، لأنه لم يعمل في‎ ‎العمق ولو من باب التلميح للكشف ليس عن حياة سعاد حسني الحقيقية والغزيرة في‎ ‎تفاصيلها، ولم يكشف عنه الاحتمالات المتعددة المفتوحة علي لغز موتها، لكن الأمر‎ ‎المؤكد أن تناول حياة هذه الفنانة التراجيدية في نهايتها سواء في مسلسل أو رواية‎ ‎ينطوي علي كثير من الخيال والرغبة الشغوفة في حبك التفاصيل بجانب بعضها البعض ‏علي‎ ‎شكل مربعات كي تتضح الصورة‎.

شبه‎

تتشابه بطلة أرتيست سلمي حسن أو‎ ‎سالومي أو سوسو، مع سعاد حسني بالملامح ‏وبسنوات الطفولة البائسة. لكن الكاتبة‎ ‎تستبدل المكان ويصير مكان نشوء بطلتها هو ‏حي القصار في بيروت بين أب سكير يقيم‎ ‎علاقة محرمة مع ابنته الكبري نوال ، وبين أم ‏من أصل مصري قادتها الأقدار للزواج من‎ ‎هذا الرجل، الذي كان يعمل نادلاً في ‏الكابريهات لذا قيل عنها انها كانت تعمل‎ ‎أرتيستاً، وبين أخ مضطرب عقليا ليس له دور ‏في النص سوي أنه أحد الأسباب التي تدفع‎ ‎سلمي الي الاحساس بالاحراج والخجل بين ‏الجيران والأصدقاء‎.
كل الأحداث تبدأ‎ ‎باكراً جداً في حياة سلمي منذ عمر الثامنة، وعملها مع فريق التمثيل في ‏المدرسة، ثم‎ ‎لاحقاً في عمر الحادية عشرة ولقائها لمخرج أرمني كان يعمل في تليفزيون ‏لبنان‎ ‎ويدفعها للمشاركة في مسلسل تلفزيوني بوصفها فتاة صغيرة، من هذه البوابة تبدأ‎ ‎الخطوات الأولي في حياة سلمي الفنية قبل انتقالها الي مصر بعد نشوء علاقة بينها‎ ‎وبين ‏المليونير اللبناني من أصل يوناني كميل الذي يكبرها بأكثر من أربعين عاماً،‎ ‎هذه العلاقة ‏التي تعتبر أكثر العلاقات تأثيراً علي حياتها الفنية، وأيضا علاقتها‎ ‎بالمخرج مدحت الذي ‏تزوجته فيما بعد، وهي في مطلع الثلاثينات من عمرها لكن الكاتبة‎ ‎في انتقالها بالسرد ‏من بيروت الي القاهرة لا تغوص كثيراً في الكشف عن العوالم‎ ‎الفنية التي دخلت فيها ‏سلمي ولا تكشف عن حياتها العائلية كثيراً بل تكتفي بسرد‎ ‎تفاصيل علاقة تنافس خفي ‏بينها وبين شقيقتها نوال التي تتمتع بصوت عذب فيما تعمل‎ ‎سلمي علي كبت أي محاولة ‏من شقيقتها لاظهار هذه الموهبة‎.

سرد‎ ‎بوليسي‎

يتم السرد منذ بداية النص عبر شخصية مجهولة هي‎ (Mi x) ‎تقوم بارسال‎ ‎ايميلات الي ‏اذاعة بي.بي.سي، التي تقوم باعداد برنامج عن حياة سلمي حسن لكن كل‎ ‎الايميلات التي ‏ترسلها الفتاة المجهولة وحتي ظهورها في الحلقات الأخيرة من البرنامج‏‎ ‎تساهم أكثر في ‏اضافة مزيد من الغموض علي حياة البطلة سلمي حسن ، فهل هذا ما سعت‎ ‎اليه الكاتبة ‏هاديا سعيد؟‎
تفتح الرواية عدة احتمالات علي ظروف موت سلمي فهي‎ ‎ارتبطت بعلاقة مع كميل الذي ‏كان له علاقات غامضة علي المستوي السياسي، مما يدفع‎ ‎مخابرات بعض الدول الي ‏اتهامها بالجاسوسية وملاحقتها وتهديدها. تقول في وصف علاقتها‎ ‎مع مدحت : بدأت ‏أخفي عنه رسائل التهديد فيظنها رسائل غرام، يعذب نفسه بالشك وأتعذب‎ ‎لعذابه ولا ‏أستطيع أن أحكي له. كنت أظن أن الشك في الغرام سيكون أرأف به من شك هذا‎ ‎السيل ‏من الشتائم والتهديد ص 304‏‎.
تكتب هاديا سعيد روايتها بأسلوب سردي تحاول أن‎ ‎تضمنه جانباً من القص البوليسي ‏المثير من حيث وجود شخصية مجهولة تقود الأحداث منذ‎ ‎البداية عبر ارسال الايميلات، ‏وأيضا في جانب السؤال المطروح علي مدار النص هل سلمي‎ ‎حسن هي سعاد حسني؟ ‏لكن ليس هذا الجانب فقط هو الجانب المثير في الرواية بقدر تمكن‎ ‎الكاتبة من صياغة ‏عالم متكامل ومشوق من حياة نجمة ما كانت نهايتها غامضة، حياة سلمي‎ ‎حسن التي ‏سارت بشكل عكسي لحياة والدتها التي يتم التلميح الي أنها كانت تعمل في‎ ‎كباريهات ‏شارع الزيتونة، ثم تزوجت واختارت حياة البيت بعد انجابها لثلاثة أبناء‎. ‎سلمي التي ‏تصف جمال والدتها وقوامها المتناسق لا تحكي أبداً عن دهشة الأم من ولوج‎ ‎سلمي الي ‏عالم الفن وكأن الأم علي دراية وخبرة سابقة بتفاصيل هذا العالم الذي‎ ‎انسحبت منه قبل ‏أن تكمل خطواتها فيه. لكن الأم ليست أكثر من أرتيست سابقة في أحد‎ ‎كباريهات الزيتونة ‏أيام الستينات، أما سلمي فانها تتحول لنجمة، لممثلة ترتبط‎ ‎بعلاقات فنية مع أبرز وجوه ‏الفن والأدب في القاهرة مثل أحمد رامي وصالح جودت وعاطف‎ ‎سالم، الذي يدفع ‏مسيرتها الفنية الي الأمام‎.
هكذا تتشابك الحكايات المثيرة في‎ ‎رواية أرتيست مثل حكاية الأخت نوال، التي تعمل في ‏الغناء ثم تتدرج وتعتزل ولا يتم‎ ‎الحديث بشكل مطول عن نوال، وعن تفاصيل احترافها ‏للغناء سوي أنها التقت مع محمد‎ ‎سلطان وفايزة أحمد التي أعجبت بصوتها ودفعتها ‏لتسجيل احدي الأغنيات، لكن الرواية‎ ‎منذ البداية وحتي النهاية تستمر في الدوران حول ‏أسرار يرغب القارئ في معرفتها خاصة‎ ‎مع ذكرها لأسماء فنية حقيقية لبطلات أفلام ‏ومخرجين بارزين في السينما‎ ‎المصرية‎.

حنين لزمن ما‎

هاديا سعيد التي وقعت في هوي الزمن الماضي‎ ‎تهدي الرواية الي روح أزمنة ‏الخمسينات والستينات الجميلة وروح الأمكنة في بيروت‎ ‎والقاهرة والاسكندرية، والي ‏روح السينما والأغنيات، لقد سبق لهذه الكاتبة التي ولدت‎ ‎وعاشت في بيروت أن ‏أصدرت من قبل روايتين هما بستان أحمر و بستان أسود ولها تجربة عن‎ ‎بغداد كتبتها ‏تحت عنوان سنوات مع الخوف العراقي ، فالكاتبة عبر الاهداء وعبر توجيه‎ ‎شكرها ‏للأسماء الواردة في الصفحة الأولي قبل البدء بالرواية تعبر عن احساسها‎ ‎بالحنين ‏للكتابة عن زمن ما انقضي، ولم يعد موجوداً الحنين للمدن، للشوارع، للنجوم،‎ ‎لسينما ‏تعيش انكساراً‎.
لكن لماذا اختارت هاديا سعيد سعاد حسني؟ لماذا اختارتها‎ ‎لتخلق بطلة علي الورق ‏تحاكيها في الانطلاق والجرأة؟ هل هو الحنين‎ ‎أيضا؟‎

استنساخ‎

سلمي حسن بطلتها القلقة التي تعيش برداً وتوجساً‎ ‎دائماً، الفتاة الساذجة التي تعيش لذة ‏الاكتشاف والتوهان في القفز من خط الي آخر،‎ ‎هذا التوهان موجود في النص عبر ابتداع ‏الكاتبة لثلاث شخصيات يحملن اسم سلمي ، هناك‎ ‎سلمي وَنْ التي تعني سلمي حسن، ‏وهناك سلمي تو التي تظهر في الحلقات الاذاعية عبر‎ ‎الاتصال فقط، ثم سلمي الثالثة أي‎ ‎‎(Mi x) ‎، التي يتم استنتاج أنها ابنة أختها نوال،‎ ‎والتي تكشف أن سلمي حسن هي ‏خالتها النجمة المشهورة حيث يتضح الشبه الكبير بين‎ (Mi x) ‎والنجمة الراحلة‎.
هكذا تقود هاديا سعيد قارئها الي تناسخ في بطلاتها سلمي‎ ‎وان، وسلمي تو، ثم سلمي ‏غسان حسن، وربما هنا تكمن متعة الرواية في انفتاحها علي عدة‎ ‎تأويلات، حيث سلمي ‏الثالثة تكشف أوراقاً وألغازاً تتعلق بموت سلمي الأولي، هناك‎ ‎صندوق مغلق للفنانة ‏ورسائل بينها نسخ من رسائل التهديد الموجهة الي سلمي، ونسخ من‎ ‎رسائل مصالحة ‏بين نوال وسلمي، ورسالة موجهة الي سلمي حسن تضمنت عرضاً بمبلغ مالي‎ ‎كبير في ‏مقابل الحجاب‎.
في نهاية الرواية تنفتح احتمالات أخري، بل ان‎ ‎الجزء‎ ‎الأخير المرتبط بظهور‎ (Mi x) ‎يكشف الاحتمالات في ذهن القارئ محولاً موت سلمي حسن‎ ‎الي لغز مفتوح. ‏‎

 
 
 © ALL RIGHTS RESERVED
DESIGN & DEVELOPMENT