كان جميلاً ذلك الصباح. لا أعني ان الصباح كان جميلاً، بل ذلك الرجل الذي كان يحمل حقيبة صغيرة يعلقها في كتفه. هذه الملاحظة لم تعلنها سيدة كانت لا تعرفه، بل اعلنتها سيدة أخرى ترافقها، امرأة كانت لها معه حكاية. ليست حكاية تماماً، بل نصف حكاية، او لعلها ربع حكاية، ومع ذلك فقد عاشت لها وبها سبعة اعوام.
صحيح انه حدث لها ما يحدث في الأفلام، أي انها تزوجت وأنجبت، وصحيح انه حدث له ما يحدث في الأوهام، أي انه تزوج ابنة مديره فامتلأت جيوبه وخلت اعماقه، غير ان لحظة بينهما هي التي كانت، وهي التي عادت.
رأته جميلاً كما كان قبل سبعة اعوام، ورآها مشرقة، كما ظلت في خياله دوماً. عندما التفتت الى السيدة التي تعرفها والتي لا تعرفه، قالت لها: انظري الى ذلك الرجل الذي صعد الى الحافلة الان، أليس جميلاً؟
صوبت السيدة التي لا تعرف ذلك الرجل نظرة واضحة وعابرة ثم همست: ما أغرب ذوقك. تحتاجين دورة تدريبية لتطويره.
السيدة التي لا تعرفه، انجليزية، قوية، واضحة وجميلة، تعرف ما تريد وتعيش لحظاتها كما تشاء. هذا يعني انها تستقبل مطلقها ووالد ابنها اسبوعياً في حضور رجل تعلن انها ربما ستتزوجه، وعندما تتهمها السيدة التي ترافقها وتجاورها في البيت وفي مقعد الحافلة، بأنها حسية ولا تعرف معنى لحظة الغرام الرومانسية، فان السيدة التي لا تعرف الرجل الذي تعرفه صديقتها، تضحك وتعيد ما تقوله دائماً: هذا يعني ان ارمي بوقتي كله في سلة الأزبال.
انها لحظة، تهمس سيدتنا، بطلة هذه القصة وتلك القصة، وقد تكفي لرمي العمر كله في تلك السلة. ماذا يعني ان اتزوج وأنجب وأترمل وأتعذب؟ أتشبث بالقناع واختفي داخل نصف كذبة لم أعد أعرف لونها لأنها امتزجت بالأصفر والأحمر والأسود.
تلك لحظة خارقة كانت. جبل من الزمن. حالة تكومت ثم انسابت كلحن يهرب ويخزن في قلبك دمعة. لحظة من الحب قالت. ولكن أين؟ وكيف؟
صدمت الآن، فقد رأت ستاراً كثيفاً ينسدل داخل عينيها. اغمضتهما فيما السيدة الأخرى راحت تراقب ركاب الحافلة والرجل الجميل وحقيبته. تطلع هو نحوها ورأى فيها حاجزاً يمنعه عن سيدة قلبه السابقة. كانت عيناها تقدمان لحظة أخرى. فكر: هل تعرفني؟ هل أخبرتها؟
السيدة التي تطبق الآن على لحظتها، لم تخبرها بشيء، بل بدت وكأنها ترى الرجل الجميل للمرة الأولى. الوحدة والحرمان والخوف، تعلم الكذب، هذا ما تعرفه السيدة التي لا تعرف الرجل الجميل. اما سيدة القلب والأشواق، تلك التي توجت نفسها في الأغنيات والأمنيات، وراحت الآن تسكب عطراً على لحظة ماضية، وتعيد اكتشاف ما ومض وما قد يبتعد ويقترب، ظلت صامتة، تخترق لمسة كف رأسها، وتتضوع انفاس في محطة قطار عند اذنيها. تتراءى لها اللحظة الخاطفة، في همسة وصمت طويل وارتجافة يد عند ظهر مقعدها. تتراءى لها في عزف قيثارة وبحة مغن متشرد وصوت يترنم بمقطع دافئ يهرب من قصيدة ترتعش حباً، يعاودها حنين جارف فتتشبث بحبلي حقيبتها الطريين. ترى نفسها تطبق على حبل آخر كاد الآن يتراخى عن كتفه وقد تعلقت به حقيبة كانت اهدتها له ذات لحظة.
