هل جمعت أصيلة مالا يجمع؟
هاديا سعيد
لا اعتقد ان التحية تكفي لنلوح من بعيد لمهرجان اصيلة الدولي؛ او نكتفي عن قرب بإطفاء 25 شمعة ثم نتبادل التهاني وننصرف، فهذا المهرجان يستحق اكثر من التحية والتهنئة ،كأنه الطفل الذي كبر وادهش وتفوق رغم ظروفه الصعبة، وقد يقال لي: كيف تكون ظروفه صعبة وصاحبه وزير وشريك صاحبه في ابتكاره وتربيته مدير؟
سأقول هذا صحيح لكن «سي بنعيسى» عندما ابتكر مع «سي المليحي» وهذا هو لقبهما في اوساط المغرب وبين المعارف، لم يكونا في ذلك الوقت في وزارة او ادارة ، كان سي بنعيسي رئيس جمعية المحيط التي اسسها مع المليحي الرسام الذي شغل لفترة كما اذكر وظيفة فنية او استشارية في وزارة الثقافة ، بل ان مهرجان اصيلة بدأ حقا مما يقال له الصفر. ما زلت اذكر جلسة سي محمد على كرسي خيزران في احدى مقاهي اصيلة، يسجل بالقلم والورقة اسماء المشاركين ،يحدد النشاطات ويقول لي بكل دماثة ابناء المغرب الذين احببتهم،انه سيكون رهن الاشارة في الساعة الرابعة عندما ينتهي من اعداد قوائم الفعاليات والمدعوين .
كان ذلك في السنوات الاولى لولادة مهرجان اصيلة، ومنذ اللحظة الاولى التي دعيت فيها الى هذا المهرجان ادركت حجم طموح هؤلاء المشرفين عليه واحلامهم. اذكر ذلك اللقاء الاول ب «سي بنعيسى» عندما هلت الساعة الرابعة،كان المكان ذلك المقهى الصغير الذي يحاكي اكواخ الصيادين وكان «استفزازي» الاول سؤال عن غياب الضفاف الاخرى من المثقفين والفنانين المغاربة، ففي كل بلد عربي عشت به كنت على تماس بتلك الخارطة التي تقسم وتحدد وتفرز ، وكان نفر من اصدقائي من «الطرفين» يحاول ان يقنعني بأن مسار الطرف الآخر يسيء او يؤخر المسيرة الثقافية الوطنية الخ.. وان التحفظ على اسماء او نشاطات هو من اجل الصالح العام وليس مقاطعة متشجنة او مزاج منفعل او الخ..
لكني فوجئت بس محمد يقول لي ببساطة ومرح وبشيء من الحماس انه يتمنى ان يأتي الجميع وانه بالفعل وجه دعوات الى ما يمكن ان نسميه بلغة السياسة الفصائل والتجمعات والاتجاهات، رغم ان مهرجان اصيلة ولد_كما فهمت_ ليحتفي بالفن والثقافة في رؤية تستعير رحابة المحيط الذي تقع على ضفافه تلك المدينة الصغيرة.
لكن الثقافة والفن لا يمكنهما الا الانتماء لآباء وامهات هم بدورهم مؤطرين بشكل او بآخر وليس ذلك يعني ان يكون كل فنان او مثقف ينتمي الى حزب ، ولكن الملاحظ ان هناك حساسية او مناخ او اتجاه يجذب البعض الى هنا او هناك فتتكون تجمعات او تجير اسماء لصالح قوى او لافتات سياسية.
هكذا كنت الاحظ تحفظ البعض ممن اصبحوا بعد ذلك من اصدقائي، حول مهرجان اصيلة وكنت اسمع همسات واشاعات عديدة بل وكان انتماء الشريكين الى تلك المدينة سبب آخر في التحفظ باعتبار انهما يخدمان مسقط رأسيهما بالدرجة الاولى.
سنوات قليلة مضت وهذا التحفظ من البعض على المهرجان ظل مستمرا ،لكني لاحظت ان الجميع استفاد منه فقد فتح المهرجان آفاقا لم تعرفها مهرجانات سابقة وكانت فرصة ان يلتقي الصحفيون او حتى الادباء والفنانون بأصدقاء لهم يأتون من الضفاف الاخرى للأطلسي او من المشرق عبر مهرجان اصيلة ، وحتى في الصحف التي كانت متحفظة نوعا ما او كان لها موقف من المهرجان او من صاحبيه ، وجدت نفسها مستفيدة من ضيوفه وكانت اللياقة تقضي ان يذكر اسم مهرجان اصيلة عندما يجرى حوار مع احد ضيوفه، ومع ذلك فقد مرت فترة قبل ان يكتشف الجميع كم ان هذا المهرجان متفرد ومنفتح وكم يمكن ان يكون بوابة جديدة وعصرية للدخول الى المغرب واكتشافه. هكذا حقق مهرجان اصيلة بعدئذ تصالحا وجمع ما لم نكن نظن انه يجتمع واصبح نجومه من مختلف التيارات والاتجاهات ، يلتقون من اجل الفن والثقافة والجمال، ومن كان متحفظا او مترددا في السنة السابقة اصبح محاورا او مشاركا في السنة اللاحقة.
لم اغب عن مهرجانات اصيلة منذ سنواته الاولى الا نادرا ، بل كأني لا اذكر اي صيف لي في المغرب الا واصيلة تشاركني اياه،اصبح جزءا من تاريخي مثلما رأيته يصبح جزءا من تاريخ المغرب المعاصر، واستطيع القول بلا تردد انه كان_وما زال_ مهرجانا رائدا بفكرته وتطوره وطموحه، لم ينتظر لجان اعداد وميزانيات ومقرات لينطلق ،كان يكفي ان يفتح مؤسس المهرجان واصدقاؤه بيوتهم وان تنطلق الايام الاولى بلجنة مرتجلة وكان يكفي ان تقتنع مجموعة صغيرة بالمجىء ليحتفل المهرجان بندوات وليالي صيف وقبل كل هذا والاهم منه الاحتفاء بالرسم واللون ولا احب ان استخدم هنا مصطلح الفن التشكيلي لأن اهالي اصيلة لم يكن يعنيهم هذا الفن لكنهم استيقظوا ذات صيف ليجدوا جدران مدينتهم ترتدي الوانا واشكالا جميلة ويجدوا محترفات تفتح عيون صغارهم على تذوق جديد يبصم مخيلتهم بالجمال ويشجع على اكتشاف الموهبة فيما يكتشف الرسامون والرسامات الذين اصبحوا مع السنوات في اكبر تجمع فني في اصغر مدينة،انهم يساهمون في الغاء هذا الحاجز الوهمي بين الفن وبين الناس. في السنوات الاولى كان يكفي ايضا ان يكون لنااو لكل ضيف غرفة صغيرة في فندق وادي المخازن الذي يذكركم بفنادق القرى والارياف في بلداننا العربية غير المزدهرة،لكنه يذكركم ايضا بمدى ما يستطيع الحب والحفاوة والفرح بالفن والجمال ان يغدق بعطاياه على المكان لنراه بغلالة من حلم. بعدها اصبحنا نحنّ الى وادي المخازن ونهرب اليه من فندق المسبح الفاخر والذي دشن مرحلة جديدة لنمو المهرجان.( رغم اني مع التطور وعدم الاكتفاء بالحنين حتى لو تطلب الامر ان يسد التطور جزءا من بحر اصيلة كما قيل لي!)
غير ان اصيلة لم تكن حلما ، واتذكر هذه اللحظة كيف اختفى لفظ مهرجان عن السنتنا لتكون اصيلة هي المدينة والمهرجان معا ، وقد حقق فيها ومعها مؤسسو المهرجان احلامهم ، بل ربما تجاوز الامر مسألة الاحلام لأن اصيلة فتحت ابواب الامل على اكثر من صعيد ففي السنوات التالية شهد المغرب انطلاقات حقيقية لمهرجانات اقامتها جمعيات ومؤسسات وجهات خاصة وعامة وسواء في الفن او الفكر او الادب اصبحنا نطل على ملتقيات للمسرح وابداع المرأة وامتلك الكثيرون قوة المطالبة بتخصيصات وحصص من المساعدات من الميزانيات العامة لتنطلق نشاطاتهم اسوة بأصيلة.
اعتقد ان عدوى اصيلة كانت اصح عدوى في مجال استيعاب المغرب لنشاطات وفعاليات لابد لنا من تحيتها وتثمينها واعتقد ان فضيلة اصيلة الكبرى انها الغت الكثير من الحواجز التي كانت سائدة في حياتنا العادية والثقافية على السواء فالمهرجان كسر علاقة الثقافة بالقاعات المغلقة من خلال انفتاحه على نقاشات مع جمهور حاضر وزائر وسائح وطارىء وكسر العلاقة الكاديمية بالجدران العالية من خلال تأسيسه للجامعة المفتوحا وهو خلط بين السياحة والثقافة والفن بخبرة المتذوقين والمحترفين فكانت فرصة للمدينة ان تتعرف على دهشة جديدة وكانت فرصة لمن يمر عابرا بتلك المدينة الصغيرة ان يتوقف وفرصة للنخبة من نجوم الكبار ان يكتشفوا كم ان العالم شاسع ورحب وكم يكفي ان يحبك اطفال اصيلة او رجالها الكادحين ونساءها البسيطات ، ليس لأنك جورج امادو او انطونيو غالا او البرتو مورافيا او الطيب صالح او سنغور او اي نجم عالمي او عربي او محلي لأن اسمك كذا ومعروف ومشهور وكبير، بل لأنك طيب ولطيف تجلس على الشاطىء وتأكل معهم السمك وتكتشف من خلال الدردشات والنكات والمرح كم هي فرصة لاكتشاف انسانيتك واعماقك بعيدا عن نخبوية الثقافة والنجاح والشهرة.
ويبقي من فضائل المهرجان ايضا انه كان عائليا ويكاد يكون المهرجان الوحيد الذي ينحاز للزوجات فإذا كان الكثيرون يهربون من بيوتهم والتزاماتهم بحجة الانغمار بالندوات والنقاشات ووجع الرأس فإن اصيلة كانت وماتزال تدعوهم مع زوجاتهم واطفالهم مما يفرح الزوجات باطبع ويزعج بعض الازواج لأنهم يفضلون «وجع رأس » غير عائلي!
 
 
 © ALL RIGHTS RESERVED
DESIGN & DEVELOPMENT