ماذا يفعل الفتى المغربي، الذي لم يكمل عامه الثامن عشر، وقد وصل الى القاهرة في صيف تاريخي صاخب؟ كان ذلك عام 1956، وجمال عبد الناصر يعلن تأميم قناة السويس، ومصر تشهد الاعتداء الثلاثي (اسرائيل وفرنسا وانجلترا) والمغرب يعلن استقلاله. و «حماد» ذلك الرجل الصغير الذي ترك مدارس المغرب الوطنية وبعثة دراسية فرنسية، يرحل على ظهر باخرة الى مصر، مترجما حلمه بالأفلام والأغاني والقصص والروايات، وباحثا عن انطلاقة قوية وحقيقية لما يريد ان يصبحه.
«حماد» في الفصول الأولى من رواية «مثل صيف لن يتكرر» لمحمد برادة ليس هو «محمد» الذي يسفر عن وجه الكاتب في الفصول الأخيرة. فهو في الصفحات الـ130 الأولى فتى مطوق بالأسئلة، أسئلة كبيرة وصغيرة، أسئلة تنطلق من منعطفات ذاكرته: لماذا يبدأ من محطة باب الحديد حيث وصل الى القاهرة قادما من باريس؟ ولماذا اختار القاهرة، ولم يختر دمشق لمتابعة دراسته بعد أزمة التعليم في المغرب بسبب تضييق السلطات الفرنسية على التعليم باللغة العربية؟ ولماذا هو مسكون بأفلام عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم؟
وكيف تسللت الى نفسه كتابات طه حسين والمنفلوطي؟
«حماد» هو بطل اليوميات التي تتبعثر في نص مفتوح، يحاول الكاتب كل لحظة، ان يؤطره في عناوين، لكن دهاليز الذاكرة تفلته دائما في منعطفات ومنعطفات حتى يصبح النص، دائريا، يبدأ دائما من حيث انتهى، ويتكرر دورانه في اتساعات تتوازى ولا تتشابك ليظل القارئ ملاحقا للأيام الصاخبة، ومرافقا تفاصيلها الصغيرة الدقيقة، والتي تشكل في نهاية المطاف، نصا يحتفي بالذكرى والذكريات، ولكن ليس باسترجاع وحنين يسيل الدمعة او يستدعي الشهقة، بل باحياء ذكي ورشيق لتفاصيل ممتعة ومضحكة، تتوالى مثل شريط كوميدي ظريف وراق، ثم تهدأ لتتسلل الحكمة والخبرة.
نص دائري
رغم ان ذلك الصيف، كان لاهباً، وقد أصبح تاريخاً يشير الى مرحلة صاخبة من التاريخ العربي، الا ان أيام «حماد» فيه كانت تحمل الكثير من الفكاهة والبراءة والطرائف. وعكس ما قد تقرأ في الكثير من الروايات التي تتحدث عن تأميم قناة السويس عام 1956 والاعتداء الثلاثي الذي تلاها فان «حماد» وفي ظل ذلك الصخب والاحتدام، اختار التوقف عند تفاصيل اخرى. انه المغربي الذي يمتلئ حماساً ورغبة في التطوع، مثل كثير من الطلبة الذين تحمسوا للذود عن الوطن العربي الكبير، فتطوعوا وتدربوا. ومعهم ومع حماد يعيش القارئ تفاصيل الشباب الصغار الذين يمارسون شغبهم وطرائفهم مع مدربيهم، ثم في الحب والعلاقات وميزانيات الطلبة الشحيحة، منذ ان يصل حماد الى القاهرة، ليبدأ رحلة دراسته الجديدة، ويلتحق باحدى المدارس ليحصل على شهادة التوجيهية، ثم يصبح طالبا في كلية الآداب. حماد يمضي اربع سنوات من الدراسة، نعيشها ممعه، ليس يوماً بيوم، بل في محطات تتداخل بين كل زيارة له الى القاهرة. ان الرواية تبدأ «من الذاكرة» وهي الذاكرة التي قد لا تسترجع الحدث، بل تعود الى محطة اخرى من ذكرياتها الماضية عنه، هكذا نجد عودته لأكثر من مرة الى قاهرته، بين اعوام 1966 – بعد عشر سنوات من وصوله اليها – و1975 وسنوات أخرى في التسعينات، وصولا الى الفصل الثاني الذي يعلن فيه بطل الرواية، أو الكاتب انه اصبح استاذاً جامعياً.
وها هي اربعون عاماً قد مضت على رحلة الوصول تجيء لتؤكد في لحظة، ان الغصة هي الغصة، والحنين هو الحنين، وان ما من شيء يستطيع ان يوقف الزمن او يكرره، ان «حماد» وقد أصبح «محمد» في الفصل الأخير من الرواية، يحاول ان يخترق هذا المستحيل، يعود الى الأماكن نفسها التي عاشها وهو طالب، يحاول اللقاء بالناس الذين عرفهم وأحبهم، بالنساء الطيبات اللواتي سكن في شققهن، وبحبيبات اكتشف معهن المعاني الأولى للغرام. وفي كل هذه العودة والاستعادة يكرر الكاتب اكتشافه لذلك «الصيف الذي لن يتكرر «.
صيف حماد المغربي، الذي استطاع ان يقدم لأول مرة في الكتابة العربية الحديثة، ذلك الجسر الحميم بين المشرق والمغرب والذي تجتمع فوقه الذكريات واللآهات ونقاط التواصل والالتحام، إذ ليس هناك على هذا الجسر ما يذكر بالمثل الشعبي الطريف «ما الذي يجمع الشامبي على المغربيِ، بل على العكس، حيث يؤكد حماد بعض الظواهر الاجتماعية التي عايشها بين القاهرة والرباط ، كظاهرة العزوبة، والعذرية والقراءات وغيرها.
فن الاعتراف
في «مثل صيف لن يتكرر» رحلة شيقة صاخبة وجميلة، تواكب تحولات الفتى الذي أصبح رجلاً، ويبدو ان ايقاع الكتابة كان منسجماً ومتناغماً مع رحلة الزمن، فها هي الأحداث طريفة ورشيقة ومضحكة وساخرة ولاذعة في الفصول الأولى، عندما كان حماد في أوج الشباب، ثم ها هي تتباطأ وتتعقل وتتأمل في الفصول الأخيرة، عندما يتقدم محمد في السن، وها هي وسط كل هذه القناعات السياسية والوطنية والرؤية الى الحياة تزداد عمقاً وتفهماً لتصل الى تأملات متدفقة بالبحث المستعصي عن علاقة الحياة والموت، يتوجها ذلك الفصل ما قبل الأخير «فرعون في كفن من كتان» حين يرى الكاتب مومياء رمسيس الثاني، وهي تستحضر له جنيناً غضاً لم يمكث بين احضانه إلا نصف ساعة، ففي هذا الفصل تزاوج مؤثر بين وجه نظنه غافياً وغارقاً في نوم هادئ ووجه طفل ينام مودعاً الحياة قبل ان يعيشها.
عندما نغلق هذا الكتاب نتساءل: هل كانت رواية «واقعية «؟ هل كان نصاً مفتوحاً بين الرواية واليوميات؟ هل استطاعت التفاصيل الصغيرة التي ملأتنا بهجة وانتزعت منا ضحكات كثيرة، خاصة وهي تعكس روح النكتة المصرية الطريفة – أن ننشئ بنية روائية قوية بشخصياتها الحقيقة (أدباء وفنانون، أساتذة ونساء). محمد برادة، وهو الروائي والناقد، يراهن في كتابه على اجابات عدة، واعتقد انه ساستخدامه الضمير الغائب المتكلم في الجزء الأخيرة «محمد» تعمد واضح يضع فيه دعامة اخرى في فن روايات الاعتراف باقتحام وجرأة.
