همّ وسمّ وغمّ وحبيب «طفران» وامرأة خائفة!
فيروز وزياد الرحباني في جديدهما «ولا كيف»: هذا هو حب القرن الـ21 جريدة الشرق الاوسط 15/3/2001
منذ أول لحظة استماع الى شريط زياد الرحباني وفيروز الجديد، تصلنا هذه الكلمات بلحن هادئ وبطيء، كأنه حكي الحبيبة، أو الأم، أو الموظفة، أو حتى كل انسان منهك بهمومه الكبيرة والصغيرة:
«صباح ومسا شي ما بينتسى تركت الحب وأخذت الأسى» ثم تتصاعد الموسيقى بالايقاع البطيء نفسه، والذي يكاد يشبه تنفسنا أو خطواتنا الكسولة، الى ان يأتي مقطع آخر وكأنه يريد تذكيرنا ايضا بالعمر المنهك وبالذكريات وقبلهما بالحب الذي هو خبز الحياة:
«شو بدي دور؟! لشو عم بدور على غيرو؟ في ناس كتير لكن بيصير.. ما في غيرو» وكما هو شأن زياد الرحباني ـ كمؤلف وموسيقي معاً ـ يستمر الشريط بأغنيات نكاد نحسبها للوهلة الأولى لعبة كلام، أو ترجمة للحـظات يومية من الاحباط أو الخيبة، غير أنه سرعان ما نكتشف أنه لا بد من الاعتراف بضرورة التحايل حتى يستطيع القلب المثقل ان يتابع نبضه وينقذنا من الفراغ والسكون واللاهم.. أي من الموت.
فالشكوى اليومية من الشؤون الصغيرة هي قشة انقاذ، قد لا ننتبه لها ولا نعيها الا عندما يأتي فنان مهم مثل زياد الرحباني، يلاعب كلماتنا اليومية ثم يفككها ويعيد تركيبها، فتدهشنا بشكلها الجديد.
«لعل وعسى.. اترك هالأسى ويرجعلي حبي صباح ومسا..» أو في أغنية بيذكّر بالخريف: «بعدك أليف بعدك ظريف خبرني إن.. بعدك بتحن وقد يمكن ان يقرأ قارئ هذا الكلام ـ دون ان يكون قد استمع الى الشريط ـ فلا يجد به الا كلمات بسيطة، وربما أقل من بسيطة ـ هذا اذا لم يكن متابعا لتجربة الرحباني الصغير ـ أي انه لا يدرك كم يلتصق اللحن بالكلمة، وكم هو يكملها، الى درجة تشبه احيانا حركة الشهيق والزفير التي لا يكتمل من دونها التنفس.
وفي هذا الجديد الذي يستكمل رحلة زياد يأتينا كلام الحب على أكثر من صورة، وتتواصل الحالات التي نستشف منها، حكايا جيل جديد يحب على طريقته، أي من دون أوهام وأحلام واسقاطات وحرائق ولهيب، بل حب هذا القرن الممزوج بالقهر والتغير والخوف والأيام الصعبة.
وليس هذا فحسب، فحب اليوم الذي يعريه زياد الرحباني ويسد علينا منافذ اوهامه، هو ذلك الذي يعكس ضيق وانزعاج وغضب وسخرية الحبيبة، من ذلك الحبيب الذي لا يقدم لها الا خيبته، الا ان هذه الخيبة لا تعني الانكسار أو القهر، كما اسلوب أغنيات عبد الحليم حافظ (مع اني احب جدا عبد الحليم حافظ) بل على طريقة شباب اليوم: اخواننا الصغار أو أبناؤنا المهووسون بأنفسهم وبأوهام النجاح، حتى ان الاغنية ـ وهي من أجمل أغاني الشريط تبدأ بصراخ، قد يكون صراخ الحبيبة «المنرفزة» أو الأم التي طفح بها الكيل:
«كلمة كلمة يا حبيبي تا أفهم عليك أو فتش عن غيري بيفهم اذا رح تبقى هيك..
بتشارع ضيعة يا حبيبي ما بتقدر عليك بدك دولة أو شي أمة أو أكبر من هيك..» ويستمر هذا الصراخ الذي يندلع بأسلوب أغاني «الراب» ويوظف فضاء الجاز والبلوز الى تأنيب وتوبيخ وتهكم لأن حبيب اليوم ـ أو ابن اليوم ـ لا يريد ان يفهم ويقبل الا ما برأسه وليس في رأسه الا الفراغ الذي يحتاج صرخة أخرى:
«ولك بس.. هو.. هاي.. وين؟
بعلمي العقل كبير..
مش سمّ وهمّ وغم وذمّ.. وقدح وتشهير» ولأننا خسرنا في الحب كل جماله ومنطقه وواقعيته فلم يعد لنا الا ان نسخر على الاوهام التي يحملها حبيب هذه الايام! «حجرة حجرة يا حبيبي منقدر نبني بيت زرت الشارقة وقطر ومسقط وجدة والكويت ورجعت منفض ولا قرش مجمع ولا خبيت..»! وتكاد هذه الاغنية التي تحمل عنوان «لا والله» ان تكون نموذجا جيدا لتطور تجربة زياد الرحباني والمغامرة الجميلة والناجحة التي اقدمت عليها فيروز، فهي تحمل هذا الإيقاع السريع الذي يوازي افضل ما وصل اليه فن «الراب» المعرب هذه المرة، فاللحن متدفق وسريع والكلمة ناقدة وجارحة بقدر ما هي حقيقية وواقعية، وهي تحمل بين كلماتها دراما عالية تعكس بالصور والحالات النفسية علاقة حب وواقع وقهر وغضب، وبمثل هذه النظرة الساخرة المتهكمة تأتي اغنية «تنذكر ما تنعاد» لتعلن الحبيبة للحبيب الجديد الموهوم والناقم والطفران انه يستحق العقاب لا المواساة:
«تنذكر ما تنعاد ونشوفك بالأعياد تعمّر وتجيب ولاد.. بس انساني تنذكر ما تنعاد.. ويصيروا الاشيا بعاد في غيرك ناس جداد.. في شي تاني..» هذه المسرحية التي لا يستغرق المشهد الواحد منها (أي الاغنية) أكثر من 4 دقائق في أطول الاحوال، تضيف الى هذا الجديد طابعا خاصا يؤكد اتجاه زياد الرحباني ويرسخه، فالاغنيات مشاهد نراها ونحسها ونتأمل بها، وقد يسمعها الجيل القديم فيرى ما اصبحت عليه اغنيات قديمة مثل «اسهر بعد اسهر»، «انا فزعانة» (في الشريط) و«دهب ايلول»، «بيذكّر بالخريف» (في الشريط)، كما يمكن ان يسمعها الجيل الجديد فيكتشف فضاء آخر يغسل رأسه من كثير من الضجيج الذي ينفجر حولنا باسم اغنيات الكليب.. وكمثل مغامرة الكلمة المتجددة والطازجة في كثير من الاحيان والتي بدأها زياد الرحباني منذ «عايشة وحدا بلاك»، و«عاهدير البوسطة» وما بعدهما، تصل اغنيات «ولا كيف» معززة هذا الاتجاه.
وقد لا نقول جديدا ونحن نذهب مع صوت فيروز في هذا الشريط الذي وصل الى درجة من التلقائية والحميمية بحيث يحس كل مستمع وكأنها تغني له وحده، كأنها تجلس لتملأ فضاء المكان وليس هناك إلا صوتها وروحنا، هذا الصوت الذي يهمس ويصرخ ويؤدي المشهد الدرامي الهارب من مسرحية يؤلفها واقعنا ويعيد تركيبها زياد الرحباني. وقد لا نتفق ايضا مع رأي يقول ان فيروز تغامر بحمولتها وهي تقدم هذه الطزاجة الشبابية المفاجئة، بل يمكن القول ان فيروز كأي فنانة كبيرة وراسخة تعرف كيف تتجدد وتتقن هذه الإطلالة التي لا تقبل بالتكرار ولا تحب الوقوف على الاطلال، وفي بعض اغنيات هذا الشريط ما يذكرنا بتلك الاغنيات الساخرة والتي تحمل الكثير من الأداء الدرامي وسمعناها وأحببناها من مطربات عالميات أمثال شيرلي باسي وباربارا ستراسند أو جولي اندروز، ومؤخرا فرقة «داستني شايلد» وكان فيها الكثير من السخرية والتهكم والكاريكاتير.
ويبقى الجديد ايضا ان زياد الرحباني يرفض ـ كما يبدو ـ ان يفصل بين الحب وبين الواقع بهمومه الحياتية والمعيشية والسياسية ايضا (كما في اغنية رفيق) فقد لعبت الاغنية العربية على امتداد تاريخها هذا الفصل ـ باستثناءات نادرة ـ فكانت تقدم الحب الوهمي المضني فيما الهم الاجتماعي وفضحه ووضع الاصبع على جروحه ظل طوال عقود ملحقا بما سمي بفن المنولوج، ولم يكن ابطاله ونجومه الا فقرات عابرة في الحفلات أو الأفلام.
وتبقى الموسيقى التي يراهن عليها زياد الرحباني ليربح الرهان في كل مرة، إذ تبقى هذه الموسيقى تتسلل الى احساسنا، وقد لا يفهم كثيرون منا أعماقها وتشابكها والدهشة التي تتيحها تلك الايقاعات ولعبة الآلات بوترياتها ونفخها.. الخ، وليس هذا مطلوبا، فالتذوق يبدأ مع الاحساس الخفي، والاحساس الخفي حصيلة ذاكرة، ومع الذاكرة التي تحس وتقارن، نعيش هذا الشريط، خاصة وهو يعيد لنا دبكة الرحبانيين بطبعة القرن الواحد والعشرين (ان شاالله مابو شي) فهنا الضيعة لا بساحاتها ومشاويرها ومختارها، بل بأناسها الجدد والايقاع الجديد لمواويلها واعادة اكتشافها من دون أحلام وأوهام.
اما الكلمة الأخيرة في هذا المقال فهي ان شريط «ولا كيف» يمجد المرأة: حبيبة وانسانة وأما ورمزا، وكأنه يقول لنا بلغة الفن الجميل: اسمعوها وانصتوا فهي ترى ما لا تريدون ان تروه ولأنها تحبكم تزعل وتغضب وتهدد بالرحيل.. لكنها في البداية والنهاية تحبكم وتفهمكم.. فافهموا، وافهموا هنا تشير إلى المرأة والموسيقى.
 
 
 © ALL RIGHTS RESERVED
DESIGN & DEVELOPMENT